التكاثر · الآية 5

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ

«لَو» الافتِراضيَّة: تَمَنٍّ يَنطَوي على عِتاب

و«لَو» في كَلامِ العَرَبِ حَرفٌ يَفتَحُ بابَ ما لَم يَكُن، فالمَوجوعُ حينَ يَقولُ: «لَو رَجَعَ الزَّمَن» يَعرِفُ أنَّه لَن يَرجِع، غَيرَ أنَّه يَفتَحُ في الكَلامِ بابَه ليَستَريحَ النَّفَس. و«لَو» في الآيَةِ من هذا الباب، فهي تَمَنٍّ مَعَ يَقينٍ بالامتِناع، والقائِلُ يَعرِفُ أنَّ المُتَكاثِرَ لن يَعلَمَ في حاضِرِه، ويَتَمَنّى له مَعَ ذلك أن يَعلَم.

وَفي هذا التَّمَنّي رَحمَة، فمَن يُعاتِبُ غَيرَه بـ«لَو» لا يَزالُ يَرجوه، ولَو رَأى بابَ الرَّجاءِ مُغلَقاً لَقالَ «لَن تَعلَموا». والفَتحُ الذي تَبقى فيه «لَو» فَتحٌ دَقيقٌ تَدخُلُ مِنه الرَّحمَةُ بَعدَ ضَربَتَين من «كَلَّا»، والسورَةُ تَهديدٌ يَتَخَلَّلُه أَمَل، وليسَت تَهديداً مَحضاً.

«عِلمَ اليَقين»: العِلمُ الذي يَنفُذُ إلى الباطِن

واليَقينُ في الجِذرِ ي-ق-ن اتِّصالٌ يَبلُغُ الأَعماق، فهو رُسوخٌ يَنفُذُ إلى آخِرِ نُقطَةٍ في الكِيان، وليسَ تَصديقاً ذِهنيّاً يَطفو على السَّطح. ولذلك تَقولُ العَرَبُ: «أَيقَنتُ بالشَّيءِ» إذا انتَهى التَّرَدُّدُ في النَّفسِ نَهائيّاً. واليَقينُ في الفَلسَفَةِ القُرآنيَّةِ فَوقَ الإيمان، فالإيمانُ أَمانٌ يَتَجَمَّع، وَاليَقينُ نُفوذٌ بَعدَ الأَمان.

وَالإضافَةُ في «عِلمَ اليَقين» تَجعَلُ اليَقينَ مَنبَعَ العِلم، ولا تَقِفُ بِه عِندَ أن يَكونَ صِفَةً لَه، فهو عِلمٌ من اليَقين، وكَأنَّ اليَقينَ هو الوِعاءُ، والعِلمَ ما يَخرُجُ منه. والمُتَكاثِرُ عِلمُه على عَكسِ هَذا، مَنبَعُه التَّفاخُر، فَخارِجُه عَدّ، والعِلمُ الذي يَخرُجُ من تَكاثُرٍ يُنتِجُ كَومَة، والعِلمُ الذي يَخرُجُ من يَقينٍ يُنتِجُ سُكوناً يَكسِرُ الكَومَة.

وتَفتَحُ البَقَرَةُ صِفَةَ المُتَّقينَ بهذه الصِّفَةِ نَفسِها وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، وأوثِرَ فيها اليَقينُ على «يُؤمِنون» بالآخِرَة، وإن كانَتِ الآيَةُ السابِقَةُ قد ذَكَرَت إيمانَهم بالغَيب، واليَقينُ بالآخِرَةِ خَطوَةٌ بَعدَ الإيمانِ بالغَيب. والسورَةُ هنا تَفتَحُ على المُتَكاثِرِ بابَ هَذا اليَقينِ بالذّات، فلَو كانَ في يَقينِه بالآخِرَةِ شَيءٌ مِن هَذا النُّفوذ لَما تَكاثَر.

جَوابُ «لَو» المَحذوف: ما تُرِكَ يَقولُه السامِع

وجَوابُ «لَو تَعلَمونَ عِلمَ اليَقين» لا يَقولُه النَّصّ، والحَذفُ هنا أَبلَغُ مِنَ التَّصريح، إذ يُلزَمُ السامِعُ أن يَكتُبَ الجَوابَ في نَفسِه: لَو كُنتُم تَعلَمون لَما تَكاثَرتُم، لَو كُنتُم تَعلَمون لَأَنفَقتُم، لَو كُنتُم تَعلَمون لَخَشَعَ عَدُّكُم وَانكَسَر، وكُلُّ ما تَستَطيعُ نَفسُ السامِعِ أن تَكتُبَه يَأتي مَكانَ الجَواب.

وَحَذفُ الجَوابِ ليَملَأَه الواقِفُ عند الآيَةِ بنَفسِه أُسلوبٌ قُرآنيٌّ مَعروف، فالنَّصُّ يَستَنطِقُ السامِعَ ولا يُملي عَلَيه، وَالمُتَكاثِرُ الذي يَسمَعُ هذِهِ الآيَةَ يَعرِفُ بنَفسِه ما الذي يَكسِرُه لَو أَيقَن، والكَلِمَةُ التي يَكتُبُها هي الفَضيحَة.


حَصيلة

تَتَدَرَّجُ الكَلّاتُ الثَّلاثُ في السورَة، وَهذه الثالِثَةُ تَتَحَوَّلُ مِن رَدعٍ إلى مَدخَل، ففي «كَلَّا لَو تَعلَمون» يَفتَحُ الرَّدعُ بابَ افتِراض. و«لَو» حَرفُ امتِناعٍ لِامتِناع، امتَنَعَ جَوابُها لِامتِناعِ شَرطِها: لَو تَعلَمون، ولَن تَعلَموا الآن. وَالجَوابُ مَحذوفٌ قَصداً: لَو عَلِمتُم… ماذا؟ لَاتَّقَيتُم؟ لَانكَسَرَ فيكُمُ التَّكاثُر؟ والنَّصُّ يَترُكُ السامِعَ يَكتُبُ الجَوابَ بِنَفسِه.

وَالتَّخصيصُ في «عِلمَ اليَقين» غَيرُ زَخرَفَة، وجِذرُ (ي-ق-ن) يَدورُ على الاتِّصالِ الذي يَبلُغُ الأَعماق، فهو رُسوخٌ يَنفُذُ إلى آخِرِ نُقطَةٍ في الكِيان، غَيرُ التَّصديقِ الذِّهنيِّ الذي يَطفو على السَّطح. وَالإضافَةُ في «عِلمَ اليَقين» تَجعَلُ اليَقينَ مَنبَعَ العِلم، زيادةً على كَونِه صِفَتَه، فالعِلمُ الذي مَنبَعُه التَّكاثُرُ يُنتِجُ كَومَة، والذي مَنبَعُه اليَقينُ يُنتِجُ سُكوناً يَكسِرُ الكَومَة.

وَفي هذه الكَلّا الثالِثَةِ رَحمَةٌ تَتَخَلَّلُ الضَّربَتَين السابِقَتَين، فمَن يُعاتِبُ بـ«لَو» لا يَزالُ يَرجو، ولَو رَأى بابَ الرَّجاءِ مُغلَقاً لَقالَ «لَن تَعلَموا»، و«لَو» هنا لِلتَّمَنّي. وَتَنتَقِلُ السورَةُ نَفسُها بِاليَقينِ مِن دَرَجَةٍ إلى أُختِها، فعِلمُ اليَقينِ هنا رُسوخٌ في القَلب، وَعَينُ اليَقينِ في الآيَةِ التالِيَةِ رُؤيَةٌ بالبَصَر، وهو انتِقالٌ مِنَ العِلمِ إلى الرُّؤيَة.