يس · الآية 5

﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ

«تَنزيل»: نُزولٌ مَوصولٌ بِمَصدَرِه

«تَنزيل» مَصدَرٌ على صيغةِ التَّفعيل من (ن ز ل)، والنُّزولُ في حُروفِه نَفاذٌ مُكتَنِزٌ يَتَعَلَّقُ بِمَوضِعٍ ويَمتَدُّ إليه، فهو وُصولٌ مَقصودٌ من أعلى إلى مَحَلٍّ مُعَيَّن، غَيرُ هُبوطٍ عَشوائيّ. وصيغةُ التَّفعيلِ تُفيدُ التَّدَرُّجَ والتَّكرار، أي نَزَلَ القرآنُ مُنَجَّماً مُتَتابِعاً لا دُفعةً واحِدة. والكَلِمةُ وَصفٌ لِلقرآنِ المُقسَمِ بِه، فهو «تَنزيلٌ»، أي مَوصولٌ دائماً بِمَن أنزَلَه، لا يَنفَصِلُ عنه حينَ يَصِلُ إلى الأرض.

«العَزيزِ الرَّحيم»: قُوّةٌ لا تَقهَرُ ورَحمةٌ لا تَضعُف

وتُختَمُ المُقَدِّمةُ بِاسمَين مُتَقابِلَين لِلمَصدَر: «العَزيز» من (ع ز ز)، وهو المَنيعُ الذي لا يُرامُ جانِبُه ولا يُغلَب، صَلابةٌ تَدفَعُ كُلَّ مَن أرادَ النَّيلَ منها، و«الرَّحيم» ومادّتُه (ر ح م)، وهو ذو الرَّحمةِ الواصِلة، من رَحِمٍ يَحوي ويَرعى. واقتِرانُهُما يَضبِطُ صورةَ المَصدَر، فهي عِزّةٌ بِلا قَسوة، ورَحمةٌ بِلا ضَعف. فَالتَّنزيلُ صادِرٌ عن قُوّةٍ لا تُغلَبُ فَلا يُرَدّ، وعن رَحمةٍ لا تَنفَدُ فَلا يُحرَمُ منه طالِب، ومَن أنزَلَ القرآنَ بِهاتَين الصِّفَتَين فقد أنزَلَه مُعِزّاً غَيرَ قاهِر، وراحِماً غَيرَ مُتَهاوِن.


حَصيلة

تُغلِقُ هذِه الآيةُ مُقَدِّمةَ السورةِ بِوَصفِ مَصدَرِ القرآن. فـ«تَنزيل» (ن-ز-ل) على صيغةِ التَّفعيل نُزولٌ مَقصودٌ مُتَدَرِّجٌ من أعلى إلى مَحَلٍّ مُعَيَّن، يَبقى مَوصولاً بِمُنزِلِه غَيرَ مُنفَصِلٍ عنه. ويَليه اسمانِ مُتَقابِلان، «العَزيز» (ع-ز-ز) وهو المَنيعُ الذي لا يُغلَبُ ولا يُرامُ جانِبُه، و«الرَّحيم» (ر-ح-م) وهو ذو الرَّحمةِ الواصِلةِ الحاوِية. واجتِماعُهُما يَضبِطُ صورةَ المَصدَر، فهو قُوّةٌ لا تَقهَر، ورَحمةٌ لا تَضعُف. فالقُرآنُ الحَكيمُ (آية ٢) الذي حَمَلَه رَسولٌ على صِراطٍ قائم (آية ٣-٤) صادِرٌ عن عِزّةٍ تَمنَعُ رَدَّه ورَحمةٍ تَفتَحُ بابَه، وبِهذا تَكتَمِلُ شَبَكةُ المُقَدِّمة: مَصدَرٌ عَزيزٌ رَحيمٌ يُنَزِّل، ونَصٌّ مُحكَمٌ يَستَقِرّ، ورَسولٌ مُرسَلٌ على طَريقٍ بَيِّنٍ يُبَلِّغ.