الأعلى · الآية 13

﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ

«ثُمَّ»: تَرتيبٌ بِمَهَل

و«ثُمَّ» في العربيّةِ تُخالِفُ الفاءَ في أَنَّها تَفصِلُ بَينَ ما قَبلَها وما بَعدَها بِزَمَن، فالفاءُ تَصِلُ بِغَيرِ مَهَل («فَسَوَّى»، «فَهَدى»، «فَجَعَلَه»)، وأمّا «ثُمَّ» فتَأتي بَعدَ زَمَنٍ بَينَ الحَدَثَين. واستِعمالُها في الآيَةِ يَفصِلُ صَلْيَ النّارِ في الآيَةِ السّابِقَةِ عَنِ النَّفيِ المُزدَوَجِ في هذه، كأنَّ الصَّلْيَ يَقَعُ أَوَّلاً، ثُمَّ يُكتَشَفُ بَعدَ زَمَنٍ أنَّ ما يُكتَشَفُ غَيرُ ما اعتادَه المَرء.

و«ثُمَّ» تَنقُلُ القارئَ إلى حالٍ ثانِيَةٍ في النّارِ نَفسِها، ولا تَنقُلُه إلى نارٍ أُخرى، والزَّمَنُ يَطولُ في النّار، فيَكتَشِفُ المَصلِيُّ أنَّ ما تَوَقَّعَه، مَوتاً يَخلُصُ مِنه أو حَياةً يَتَحَمَّلُها، مَنفِيٌّ عَنه.

«لا يَموتُ فيها»: المَوتُ مَخرَجٌ مَحجوب

وم-و-ت في العربيّةِ يَدُلُّ على انقِطاعِ الحَرَكَةِ والنَّفَسِ في الجِسم، والمَوتُ في الفَهمِ العامِّ نِهايَةُ الإحساس، فمَن ماتَ انقَطَعَ ما كانَ يَجري فيه، ولِذلك يَتَوَقَّعُ مَن في الأَلَمِ الشَّديدِ أنَّ المَوتَ سَيُريحُه. والآيَةُ تَنفي عَنِ الأَشقى هذا المَخرَج، فلا مَوتٌ يَأتي فيُلغي ما يَجري عَلَيه.

والنَّفيُ بِـ«لا» مَعَ المُضارِعِ يَدُلُّ على نَفيٍ مُتَجَدِّدٍ في كُلِّ آن، وعُدِلَ فيه عن «لم يَمُت» (نَفيُ المَوتِ في الماضي) إلى «لا يَموتُ فيها» (نَفيُ المَوتِ في كُلِّ لَحظَةٍ مَوجودَة)، وكُلَّما تَوَقَّعَ المَوتَ لَمسَه انفَلَتَ مِنه، والنَّفسُ تَطلُبُ ما يُريحُها، وما يُريحُها مَنفِيٌّ عَنها.

«ولا يَحيى»: الحَياةُ بِما يَعرِفُها مَنفيَّةٌ كَذَلك

وعلى الحَرَكَةِ المُتَجَدِّدَةِ في الجِسمِ يَدورُ ح-ي-ي في العربيّة، والحَياةُ في الفَهمِ العامِّ تَدَفُّقٌ يَتَجَدَّد: طَعامٌ يُهضَمُ ويُغَذّي، ونَومٌ يُعيدُ ما أَنفَقَه النَّهار. ولَو حَيَّ المَصلِيُّ في النّارِ كهذه الحَياةِ لَكانَ بابُ التَّجَدُّدِ مَفتوحاً عَلَيه: الجَسَدُ يَتَكَسَّرُ لكِنَّه يَتَجَدَّد، والأَلَمُ يَنزِلُ لكِنَّه يَخِفّ.

والآيَةُ تَنفي هذه الحَياةَ كذلك، فلا تَجَدُّدَ يَأتي، والحَياةُ المَنفِيَّةُ هُنا هي ما يَعرِفُه الإنسانُ في دارِ الدُّنيا: تَدَفُّقٌ يُعيدُ ما خَسِرَتهُ النَّفس. وما هو في النّارِ ليسَ مِن هذه الحَياةِ في شَيء، فهو حالٌ ثالِثَةٌ خارِجَ ما يَعرِفُه المَخلوقُ في حَياتِه الدُّنيا.

وفي البَقَرَة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾، والحَياةُ هُناكَ بابٌ يُفتَحُ بَعدَ المَوت، وأمّا هُنا في الآخِرَةِ فبابُ المَوتِ مُغلَق، وبابُ الحَياةِ التَّجَدُّدِيَّةِ مُغلَق، والكِتابُ يَفتَحُ ويُغلِقُ بِيَدٍ واحِدَة، على مَن يَستَحِقُّ الفَتحَ والإغلاق.


حَصيلة

تأتي «ثمّ» بعدَ صَلْيِ النارِ فتفصلُ بزمن: ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾. و«ثمّ» تُخالفُ الفاءَ بأنّها تُرَتِّبُ بِمَهَل، فالصَّلْيُ وقعَ أوّلاً، ثمّ يُكتشَفُ بعدَ زمنٍ ما الحالُ الدائمة. والنفيُ مُكرَّرٌ يستغرقُ طرفَي الانفكاك: «لا يَموتُ» من -م-و-ت-، ولو ماتَ لاستراحَ، فالموتُ نهايةُ الإحساسِ بالألم، و«لا يَحيى» من -ح-ي-ي-، ولو حيَّ حياةً يعرفُها الإنسانُ لانفتحَ بابُ التجدُّدِ والشفاء، لكنّ الآيةَ تنفي الأمرَين، والحالُ حالٌ ثالثةٌ بينَ الطرفَين، لا موتٌ فيها يقطعُ ولا حياةٌ تتجدَّد. وهذا ما يُشيرُ إليه وصفُ النارِ بـ«الكُبرى» في الآيةِ السابقة، فهي أكبرُ بحجمِها، وأكبرُ كذلك بأنّها تنفي عن صاليِّها كلَّ مخرجٍ يعرفُه، ويُغلَقُ القوسُ هنا على الأشقى.