الأعلى · الآية 15
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«ذَكَرَ اسمَ رَبِّه»: عَودَةُ الافتِتاح
هَذِه العِبارَةُ تَلتَئِمُ مَعَ الآيَةِ الأُولى التِئاماً تامّاً. هُناكَ «سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلى»: أَمرٌ بِالتَّسبيح، والمَأمورُ هو النَّبيُّ ﷺ. وَهُنا «ذَكَرَ اسمَ رَبِّه»: صِفَةٌ مُتَحَقِّقَةٌ في المُفلِح، والفاعِلُ هو هذا المُفلِحُ نَفسُه. السورَةُ في بِنيَتِها تَدورُ على الاسمِ مَرَّتَين: تَسبيحٌ في البِدايَة، وذِكرٌ في النِّهايَة.
والذِّكرُ هُنا فِعلٌ بِلا تَفصيلٍ في الكَيفيَّة. لم يَقُل «ذَكَرَ بِلِسانِه» ولا «ذَكَرَ بِقَلبِه». ذَكَرَ الاسمَ وَكَفى. وَالاسمُ في جَذرِه س-م-و رايَةٌ تَدُلُّ عَلى المُسَمَّى. والذِّكرُ في جَذرِه ذ-ك-ر استِحضارُ ما كانَ غائباً. المُفلِحُ يَستَحضِرُ الرايَةَ المَرفوعَةَ في فَمِه أَو في قَلبِه أَو في كِليهِما. الكِتابُ لا يُقَيِّدُ الكَيفيَّة.
«فَصَلَّى»: الجِسمُ يَتَرجِمُ ما في القَلب
الجذرُ ص-ل-و في العربيّةِ يَدورُ على الالتِفاتِ والاتِّباعِ والاقتِرابِ بِأَدَبٍ. ومنه «صَلَى الفَرَسُ» (تَلا غَيرَه في السِّباقِ بِما لا يَتَخَلَّفُ عَنه)، و«المُصَلّي» في السِّباقِ هو الثاني الذي يَلي السَّابِقَ. والصَّلاةُ في الاستِعمالِ القُرآنيِّ فِعلٌ في الجِسمِ يُتَرجِمُ ما في القَلبِ مِن إصغاءٍ وَخُضوع.
والفاءُ في «فَصَلّى» تَرتيبٌ بِغَيرِ مَهَل. كَأَنَّ الذِّكرَ في القَلبِ لا يَستَطيعُ أَن يَستَقِرَّ في القَلبِ وَحدَه، فيَنفَلِتُ بِالضَّرورَةِ إلى الجِسم. والجِسمُ، إذ يَنحَني، يُتَرجِمُ الذِّكرَ في صورَةٍ يَراها مَن يَنظُر. ومَن ذَكَرَ في قَلبِه ولَم تَنزِلَ صَلاتُهُ على جِسمِه، فَذِكرُهُ ناقِصٌ. الفاءُ تَكشِفُ هَذا النَّقص.
ثَلاثَةُ أَفعالٍ يَفعَلُها المُفلِح
اِستَعرَضَتِ الآيَتانِ ١٤ و١٥ ثَلاثَةَ أَفعالٍ يَفعَلُها المُفلِحُ بِنَفسِه: تَزَكَّى، ذَكَرَ، صَلّى. الفِعلُ الأَوَّلُ في تَفَعَّل (داخِليٌّ يَطلُبُهُ الفاعِل). الثاني في فَعَلَ (مُجَرَّدُ حُضور). الثالِثُ في فَعَّلَ (مُتَكَرِّرٌ في الجِسم). والثَّلاثَةُ مَوصولَةٌ في حَلَقَةٍ واحِدَة: تَزَكٍّ في الذَّاتِ، يَستَدعي ذِكراً في القَلبِ، يَستَدعي صَلاةً في الجِسم.
والقارئُ، إذ يَلتَفِتُ إلى هَذا التَّسلسُل، يَفهَمُ أَنَّ الفَلاحَ ليسَ في فِعلٍ واحِدٍ مَفصول. تَزَكٍّ بِغَيرِ ذِكرٍ تَسطيحٌ. وَذِكرٌ بِغَيرِ صَلاةٍ كَلامٌ يَنفَلِتُ. وَصَلاةٌ بِغَيرِ تَزَكٍّ ولا ذِكرٍ صورَةٌ خاويَة. الثَّلاثَةُ مَوصولَةٌ في صورَةٍ واحِدَةٍ يَنفَتِحُ بِها بابُ الفَلاح.
حَصيلة
تستأنفُ الواوُ صفةَ المُفلِحِ بفعلَين آخَرَين: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾. «ذَكَرَ اسمَ ربِّه» يُلامِسُ مباشرةً ما افتُتِحَت به السورة: «سَبِّح اسمَ ربِّكَ الأعلى». التسبيحُ في الأولى أمرٌ والذكرُ في هذه صفةٌ متحقِّقةٌ في المُفلِح. «ذَكَر» من -ذ-ك-ر- استحضارٌ لما كانَ غائباً عن القلب؛ والاسمُ من -س-م-و- علامةٌ مرفوعةٌ تدلُّ على الأعلى؛ و«ربِّه» من -ر-ب-ب- يتقرَّبُ من المُفلِحِ بإضافةِ الضميرِ إليه. ثمّ الفاءُ بلا مَهَل: «فَصَلّى» من -ص-ل-و-. الذكرُ والصلاةُ صدرٌ وعجُزٌ من جملةٍ واحدة: لا ذكرٌ في القلبِ بلا فعلٍ يُترجِمُه، ولا صلاةٌ في الجسمِ بلا ذكرٍ يسبقُها. والفاءاتُ في السورةِ تتواصل: فَسَوَّى فَهَدى فَجَعَلَ فَصَلَّى. القوسُ ينغلقُ على ما افتُتِحَ به: الاسمُ المرفوعُ يستدعي الجسمَ المنحني.