الأعلى · الآية 14

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ

«قَد أَفلَح»: شَقُّ ما كانَ مُغلَقاً

ومادّةُ ف-ل-ح تَدورُ على شَقِّ المُلتَئِم، والفَلاحُ في الأَصلِ شَقُّ الأَرضِ بِالحِراثَة، أي إِخراجُ التُّربَةِ المُتَكَدِّسَةِ على نَفسِها لِيُلقى فيها البَذر. ومِنه «الفَلَّاح»، وهو الذي يَشُقُّ الأَرض، و«الفَلَح»، وهو الشَّقُّ في الشَّفَة، و«الفَلاح»، وهو الإِفلاتُ مِن ضيقٍ كانَ مُلتَفّاً على المَرء.

والصّيغَةُ في «أَفلَح» أَفعَل، غَيرَ أنَّها في صورَةٍ يَكونُ فيها الفاعِلُ هو الذي يَفلَحُ نَفسَه (لازِم)، ومَعنى «أَفلَحَ المَرءُ» أنَّه شَقَّ ما كانَ مُغلَقاً عَلَيه ووَجَدَ بَعدَ الشَّقِّ ما يُرجى. و«قَد» التَّحقيقِيَّةُ تَجعَلُ الفَلاحَ مُحَقَّقاً لا مُتَوَقَّعاً. وفي البَقَرَة وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يَتَكَرَّرُ الوَصفُ بِصيغَةِ اسمِ الفاعِل، ويَلتَئِمُ مَعَ هذه الآيَةِ في الفِعل.

«مَن تَزَكَّى»: نُموٌّ مَعَ طَهارَة

ويَجمَعُ ز-ك-و في العَرَبِيَّةِ مَعنَيَين: النُّمُوّ، والطَّهارَة، والزَّكاءُ نُمُوٌّ يَطهُرُ في نَفسِه ويُنَمّي مَوضوعَه، ومِنه «زَكَتِ الأَرضُ»، أي نَمَت ثَمَرَتُها، و«زَكَّى نَفسَه»، أي طَهَّرَها مِن دَنَس. والمَعنَيانِ في الجِذرِ مُتَلازِمان: ما لا يَطهُرُ لا يَنمو نُمُوّاً مُستَداماً، وما لا يَنمو لا تَتَكَشَّفُ طَهارَتُه.

والصّيغَةُ في «تَزَكَّى» تَفَعَّل، يَطلُبُ فيها الفاعِلُ هذا النُّمُوَّ والطَّهارَةَ في نَفسِه، فالمَرءُ يَأخُذُ نَفسَه نَحوَ الزَّكاء، والزَّكاءُ لا يَنزِلُ عَلَيه بِغَيرِ سَعي. والمَوصولَةُ «مَن» تَفتَحُ البابَ على كُلِّ مَن سَعى، صَغيراً كانَ أو كَبيراً، قَريباً كانَ أو بَعيداً.

المُقابَلَةُ مَعَ الأَشقى

وتَستَوي هذه الآيَةُ في مُقابِلِ آياتِ الأَشقى، والفِعلانِ كِلاهُما على تَفَعَّل: «يَتَجَنَّبُها» في الآيَةِ الحادِيَةَ عَشرَة، و«تَزَكَّى» هُنا، وكِلا الفِعلَينِ يَنبَعِثُ مِن داخِلِ الفاعِل: المُتَجَنِّبُ يَأخُذُ نَفسَه نَحوَ جانِبٍ مُختَلِف، والمُتَزَكّي يَأخُذُ نَفسَه نَحوَ زَكاءٍ مُختَلِف، والكِتابُ يُساوي بَينَ الطَّرَفَينِ في صيغَةِ الفِعل.

وهذه المُساواةُ في الصّيغَةِ تُفهِمُ أنَّ الكِتابَ لا يُحَمِّلُ المَرءَ أَكثَرَ مِن وُسعِه: ما تَزَكَّى مَن لَم يَطلُب، وما تَجَنَّبَ مَن لَم يُرِد. والكَلِمَةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، فقَبلَ أن نَفصِلَ بَينَ فَريقٍ مُفلِحٍ وفَريقٍ شَقِيّ نَلتَفِتُ إلى أنَّ الصّيغَةَ نَفسَها تَعمَلُ في كِلا الطَّرَفَين.


حَصيلة

تنقلبُ السورةُ إلى الطرفِ المقابل: قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾، و«قَد» حرفُ تحقيقٍ مع الماضي يُؤكِّدُ وقوعَ الفلاح. و«أَفلَح» من -ف-ل-ح-، وهو شقُّ الأرضِ بالحراثةِ ثمّ خروجُ ما فيها، والمُفلِحُ مَن فُتِحَ له ما كانَ مُغلَقاً عليه، والفلاحُ خروجٌ يتحقَّقُ بعدَ شقّ، وليسَ نجاحاً مجرَّداً. و«مَن تَزَكَّى» جذرُه -ز-ك-و-، وهو النموُّ مع الطهارة، وصيغةُ تَفَعَّلَ تُحمِّلُ الفاعلَ مسؤوليّةَ تطهيرِ نفسِه، وقد أوثرَ «تَزَكَّى» على «زُكِّيَ»، فهو الذي يأخذُ نفسَه نحوَ الزكاء. والطرفانِ في هذه الآيةِ والثلاثِ السابقةِ كلاهُما في صيغةِ تَفَعَّل: تَجَنَّبَ يأخذُ جانباً آخر، وتَزَكَّى يأخذُ نفسَه نحوَ الطهارة، وكلاهُما فعلٌ ينبعثُ من داخلِ الفاعل، وهناكَ تجنُّبٌ يؤولُ إلى نارٍ كُبرى، وهنا تزكٍّ يؤولُ إلى فلاحٍ محقَّق.