الغاشية · الآية 11

﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً

«لا تَسمَعُ»: نَفيٌ يُسكِتُ السَّمعَ لا الكلام

تَصِفُ الآيةُ المَوضِعَ بِما يَنتَفي عنه، لا بِما يَمتَلِئُ به، والمَنفيُّ فيها فِعلُ السَّمعِ نَفسُه: «لا تَسمَعُ». وعُدِلَ عن «لا يُقالُ فيها لَغوٌ» إلى نَفيِ وُصولِه إلى الأُذُن، فجُعِلَ النَّفيُ في طَرَفِ المُتَلَقّي. والمُخاطَبُ مُفرَدٌ حاضِرٌ في «تَسمَعُ»، كأنَّ كُلَّ واحِدٍ يُوقَفُ وَحدَه في هذا المَوضِعِ فيُجَرِّبُ الصَّمتَ بِنَفسِه.

والسَّمعُ من س-م-ع، وهو انفِتاحُ الأُذُنِ لِما يَجري إليها مِن صَوت، فإذا نُفِيَ السَّمعُ عن شَيءٍ بِعَينِه فالمَعنى أنَّ ذلك الشَّيءَ لا يَبلُغُ الأُذُنَ المَفتوحة. والأُذُنُ في هذا المَوضِعِ مَفتوحةٌ ولا يَدخُلُها ما يَخدِشُها، فالنَّفيُ راحةٌ لا حِرمان، أي سَمعٌ سَليمٌ لا يُؤذيه ما يَطرُقُه.

«فيها»: ظَرفٌ يَحمِلُ السُّكونَ كُلَّه

و«فيها» تُحيلُ على مَوضِعٍ سابِقٍ في السِّياق، وهو الجَنّةُ العاليَةُ التي وُصِفَت وُجوهُ أهلِها بِالنَّعمَة، فالضَّميرُ يَجمَعُ الوَصفَ كلَّه في حَيِّزٍ واحِد، داخِلَ هذا المَوضِعِ لا خارِجَه. والظَّرفُ «في» يَجعَلُ السُّكونَ صِفةً لِلمَكانِ نَفسِه، غَيرَ حالٍ عارِضةٍ تَطرَأُ ثُمَّ تَزول، فما دامَ المَوضِعُ قائِماً فالسُّكونُ قائِمٌ فيه.

«لاغِيَةً»: الكَلِمةُ التي تَسقُطُ فلا تَحمِلُ مَعنى

وأصلُ ل-غ-و القَولُ الذي يَخرُجُ فلا يَنعَقِدُ على فائِدة، أي صَوتٌ يَمضي ويَنحَلُّ فلا يَثبُتُ منه شَيء. و«لاغِيَة» اسمُ فاعِلٍ مُؤَنَّث، والمُرادُ بِه كَلِمةٌ واحِدةٌ من هذا الجِنس، أو لَفظةٌ تَلغو. والتَّنكيرُ في سياقِ النَّفيِ يَستَغرِق، فلا كَلِمةَ لَغوٍ واحِدة، ولا أدناها، والمَنفيُّ هو الضَّجيجُ الكَثيرُ وأصغَرُ لَفظةٍ تَسقُطُ بِلا مَعنى جَميعاً.

واللَّغوُ في الكَلامِ ما لا يُعتَدُّ به، أي قَولٌ يُلغى فلا يُحسَب، كَأنَّه ما نُطِقَ بِه. فنَفيُه عن هذا المَوضِعِ يَرفَعُ عنه كُلَّ قَولٍ هابِطٍ يُثقِلُ الأُذُنَ ولا يُغنيها، فلا يَبقى فيه إلّا ما يَنعَقِدُ ويَثبُتُ ويُحسَب.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ المَوضِعَ بِنَفيِ السَّمعِ عن جِنسٍ بِعَينِه: «لا تَسمَعُ فيها لاغِيَة». والسَّمعُ (س-م-ع) انفِتاحُ الأُذُنِ لِما يَجري إليها، والنَّفيُ مَوضوعٌ في طَرَفِ المُتَلَقّي المُفرَدِ الحاضِر، فهو راحةٌ لا حِرمان. و«فيها» تَجعَلُ السُّكونَ صِفةً لازِمةً لِلحَيِّزِ نَفسِه. واللَّاغِيَةُ (ل-غ-و) الكَلِمةُ التي تَسقُطُ فلا تَنعَقِدُ على مَعنى، والتَّنكيرُ في النَّفيِ يَستَغرِقُ أصغَرَها. فالآيةُ تُقيمُ مَوضِعاً تَنفَتِحُ فيه الأُذُنُ ولا يَطرُقُها ما يَنحَلُّ ويَسقُط، فهو سَمعٌ سَليمٌ في حَيِّزٍ لا يَدخُلُه قَولٌ بِلا فائِدة.