الغاشية · الآية 10

﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ

«في»: ظَرفٌ يَحتَوي لا يُجاوِر

«في» تَضَعُ المَوصوفَ داخِلَ المَوضِعِ لا بِجانِبِه. فالوُجوهُ الناعِمةُ التي تَقَدَّمَ ذِكرُها «في» جَنّةٍ، أي مَحُوطةٌ بها مِن كُلِّ جِهةٍ، يَستَقِرُّ بها القَرارُ داخِلَ ما يَستُرُها ويَحفَظُها. وهذا الظَّرفُ يُمَهِّدُ لِما بَعدَه: المَكانُ يُحيطُ بِأهلِه إحاطةً، فالنَّعيمُ ليس شَيئاً يُمَرُّ عليه بل وِعاءٌ يُدخَلُ فيه.

وتَأتي «في» هنا مَوصولةً بِما سَبَقَ مِن «وُجوهٍ يَومَئِذٍ ناعِمة»: الوَجهُ ظاهِرُ الإنسانِ، فإذا نَعِمَ ظاهِرُه دَلَّ على أنَّ باطِنَه قد حَلَّ في مَوضِعٍ يَحويه. فالظَّرفُ يَنقُلُ الناعِمَ مِن حالٍ تُرى على الوَجهِ إلى دارٍ تُحيطُ بِالكُلِّ.

«جَنّة»: مَوضِعٌ يَستُرُ بِالتِفافِه

الجِذرُ ج-ن-ن يَدورُ على السَّترِ بِالتِفافٍ وتَجَمُّع. فالجَنينُ مَستورٌ في البَطنِ لا يُرى، والجُنّةُ ما يَستُرُ صاحِبَه فيَقيه، والمِجَنُّ تُرسٌ يُتَوارى خَلفَه، والجِنُّ سُمّوا بِذلك لاستِتارِهِم عَنِ الأبصار. والجَنّةُ من هذا الأصلِ نَفسِه: بُستانٌ تَلتَفُّ أشجارُه حتّى تَستُرَ أرضَه، فلا تَكادُ الشَّمسُ تَنفُذُ إلى ما تَحتَها.

فالجَنّةُ في الآيةِ ليست فَضاءً مَكشوفاً، بل مَوضِعٌ مُلتَفٌّ يَستُرُ مَن دَخَلَه ويُظِلُّه. وهذا يَصِلُ بِالظَّرفِ «في» وَصلاً مُحكَماً: المَكانُ يَحوي أهلَه لأنَّه بِطَبعِه ساتِرٌ مُحيط، يَجمَعُ النَّعيمَ تَحتَ سَترِه فلا يَنكَشِفُ ولا يَنفَلِت.

«عالِية»: رِفعةٌ في القَدرِ والمَوضِع

الجِذرُ ع-ل-و يَدورُ على الارتِفاعِ والعُلُوّ. فالعالي ما سَما فَوقَ ما دونَه، والعَليُّ الرَّفيعُ القَدرِ، والمَعالي مَراتِبُ الشَّرَفِ التي يُطلَبُ بُلوغُها. ووَصفُ الجَنّةِ بِأنَّها «عالِية» يَجمَعُ المَعنَيَين: رِفعةً في المَوضِعِ، فهي فَوقُ لا تَحتُ، ورِفعةً في القَدرِ، فهي أَسنى مَنزِلةً مِمّا سِواها.

وتَأتي هذه الرِّفعةُ مُقابِلةً لِما يَلي في السورةِ مِن وَصفِ الوُجوهِ الأُخرى وما تَرِدُ عليه: تِلكَ تَصلى وتُسقى، وهذه عالِيةٌ مَرفوعة. فالعُلُوُّ هنا ليس مُجَرَّدَ ارتِفاعٍ حِسّيّ، بل هو الفَرقُ بَين مَن رُفِعَ ومَن خُفِض، يُقرَأُ مِن مُقابَلةِ الآياتِ بَعضِها بِبَعض.


حَصيلة

تَضَعُ «في» الوُجوهَ الناعِمةَ داخِلَ مَوضِعٍ يَحويها مِن كُلِّ جِهة، لا بِجانِبِه. والجَنّةُ من ج-ن-ن: مَوضِعٌ يَستُرُ بِالتِفافِه ويُظِلّ، فيَجمَعُ النَّعيمَ تَحتَ سَترِه فلا يَنكَشِف. و«عالِية» من ع-ل-و: رِفعةٌ تَجمَعُ عُلُوَّ المَوضِعِ وسُمُوَّ القَدر. فالآيةُ تُقيمُ لِلوُجوهِ الراضِيةِ داراً مُحيطةً ساتِرةً مَرفوعةً، تُقابِلُ في السِّياقِ حالَ الوُجوهِ الأُخرى التي خُفِضَت، فيُقرَأُ المَصيرانِ مِن تَقابُلِ الوَصفَين لا مِن سَردٍ زائِد.