الغاشية · الآية 2

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ

«وُجوهٌ»: تَنكيرٌ يَفرِزُ فَريقاً

تَبدَأُ الآيةُ بِالوَجهِ نَكِرةً: «وُجوهٌ»، وعُدِلَ عن «الوُجوه» المُعَرَّفة، والتَّنكيرُ هُنا فَرزٌ لا إبهام، فالمُرادُ طائِفةٌ مِنَ الوُجوهِ دونَ كُلِّها، يُقابِلُها بَعدَ آياتٍ وَجهٌ آخَرُ ناعِمٌ راضٍ. فالكَلامُ يَقتَطِعُ مِنَ النّاسِ صِنفاً ويُفرِدُه بِوَصف، ثُمَّ يَدَعُ الصِّنفَ الآخَرَ لِما يَأتي. والوَجهُ من و-ج-ه، وهو الجِهةُ التي يُقابَلُ بِها ويُتَوَجَّهُ إلَيها، وأبيَنُ ما في الإنسانِ وأدَلُّه على حالِه الباطِنة.

واختيارُ الوَجهِ دونَ سائِرِ البَدَنِ مَقصود، إذ الوَجهُ هو المَوضِعُ الذي تَظهَرُ عَلَيه الحالُ فلا تُكتَم، فإذا قيلَ «وُجوهٌ خاشِعةٌ» فقد رُفِعَ السِّترُ عمّا في الصُّدور، وصارَ ما كانَ مَخفِيّاً مَقروءاً على المُحَيّا، والجِهةُ التي يُواجَهُ بِها النّاسُ هي نَفسُها التي تَفضَحُ ما وَراءَها يَومَئِذ.

«يَومَئِذٍ»: ظَرفٌ يَشُدُّ الوَصفَ إلى يَومٍ بِعَينِه

و«يَومَئِذٍ» تَنوينُه عِوَضٌ من جُملةٍ مَحذوفة، والتَّقديرُ: يَومَ إذ تَقَعُ الغاشِيةُ التي افتُتِحَت بِها السّورة. فالخُشوعُ حالُ هذه الوُجوهِ في ذلك اليَومِ المُعَيَّنِ وَحدَه، ولم يُجعَلْ وَصفاً ثابِتاً لَها في كُلِّ حين، والظَّرفُ يَحبِسُ الوَصفَ في زَمَنٍ واحِد، فيَصيرُ الخُشوعُ خَبَراً عن مَوقِفٍ لا عن طَبعٍ مُلازِم.

وهذا الشَّدُّ إلى يَومٍ بِعَينِه يَصِلُ الآيةَ بِما قَبلَها، فقد سَألَتِ السّورةُ «هل أتاكَ حَديثُ الغاشِيةِ؟»، فجاءَ هذا الوَصفُ جَواباً يُصَوِّرُ أهلَ ذلك اليَوم، والوُجوهُ الخاشِعةُ أوَّلُ ما يُرى حينَ تَغشى الغاشِيةُ كُلَّ شَيء.

«خاشِعةٌ»: انكِسارٌ يَنحَطُّ ويَخفِض

الجِذرُ خ-ش-ع يَدورُ على انخِفاضٍ وذُلٍّ يَعتَري الشَّيءَ فيَنحَطُّ بَعدَ ارتِفاع، يُقالُ «خَشَعَ البَصَرُ» إذا انكَسَرَ ونَزَل، و«خَشَعَتِ الأرضُ» إذا سَكَنَت ويَبِسَت بَعدَ حَرَكَتِها، و«خَشَعَتِ الأصواتُ» إذا خَفَتَت وانخَفَضَت. فالخُشوعُ في أصلِه هُبوطٌ يَعقُبُ عُلُوّاً، وانكِسارٌ يَظهَرُ على الظّاهِرِ من أثَرِ ما في الباطِن.

والوَجهُ الخاشِعُ وَجهٌ نَزَلَ بَعدَ أن كانَ مَرفوعاً، وانكَسَرَ بَعدَ أن كانَ مُتَشامِخاً، والخُشوعُ هُنا واقِعٌ بِالوَجهِ نَفسِه، أي بِالجِهةِ التي كانَت تُرفَعُ تَكَبُّراً أو تُقابَلُ بِها النّاسُ عِزّاً، فإذا هي يَومَئِذٍ مُنحَطّةٌ مَكسورةٌ لا تَملِكُ أن تَرتَفِع.


حَصيلة

تَفرِزُ الآيةُ بِالتَّنكيرِ صِنفاً مِنَ النّاس، فهي «وُجوهٌ» دونَ الوُجوهِ كُلِّها، والوَجهُ من و-ج-ه أبيَنُ ما في الإنسانِ وأدَلُّه على باطِنِه. و«يَومَئِذٍ» ظَرفٌ يَشُدُّ الوَصفَ إلى يَومِ الغاشِيةِ بِعَينِه، فالخُشوعُ حالُ ذلك اليَومِ لا طَبعٌ مُلازِم. و«خاشِعةٌ» من خ-ش-ع، وهو انخِفاضٌ وانكِسارٌ يَعقُبُ عُلُوّاً، فالجِهةُ التي كانَت تُرفَعُ تَنحَطّ، وما كانَ مَستوراً في الصُّدورِ يُقرَأُ على المُحَيّا. وبِهذا تُري الآيةُ أوَّلَ ما يُرى من أهلِ الغاشِية: وُجوهاً نَزَلَ بِها الذُّلُّ فلا تَملِكُ رَفعاً.