الفجر · الآية 10

﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ

«وفِرعَونَ»: عَطفٌ يُلحِقُ ثالِثاً بِسابِقَيه

الواوُ تَعطِفُ هذا المَذكورَ على ما قَبلَه في سِياقِ التَّعدادِ، فيَنتَظِمُ مَع المَذكورِينَ آنِفاً في سِلكٍ واحِد: قُوّةٌ بَعدَ قُوّةٍ، كُلٌّ يُساقُ في مَوضِعِه من القائِمةِ نَفسِها. والعَطفُ هنا لا يُضيفُ خَبَراً جَديداً بِقَدرِ ما يُثبِتُ نَمَطاً مُكَرَّراً: المَوصوفونَ يَختَلِفونَ في الاسمِ ويَتَّفِقونَ في المَصير.

والاسمُ يَأتي مَوصوفاً لا مُجَرَّداً، فلا يُكتَفى بِذِكرِه حتّى يُلحَقَ به ما يُمَيِّزُ سُلطانَه. فالعِبارةُ تَنقُلُ السامِعَ من الذّاتِ إلى صِفَتِها، ومن الصِّفةِ يُقرَأُ وَجهُ القُوّةِ التي قامَت عَليها.

«ذي»: مالِكٌ تُنسَبُ إليه الصِّفة

«ذو» كَلِمةٌ تَدُلُّ على المُلكِ والاختِصاص: صاحِبُ الشَّيءِ الذي يُلازِمُه ويُعرَفُ به. فإذا قيلَ «ذو كذا» فالمَوصوفُ مَنسوبٌ إلى ما بَعدَه نِسبةَ المالِكِ إلى مِلكِه، يَحمِلُه ولا يَنفَكُّ عنه في الذِّكر. وهي هنا تَجعَلُ ما يَأتي بَعدَها عَلامةً لازِمةً، كأنَّ القُوّةَ المَوصوفةَ تُعرَفُ بِأداتِها أكثَرَ مِمّا تُعرَفُ بِاسمِها.

فالنِّسبةُ بِـ«ذي» تَربِطُ صاحِبَ السُّلطانِ بِأداةِ سُلطانِه رَبطاً ظاهِراً: لا يُذكَرُ إلّا ومَعَه ما يَقومُ به أمرُه. وهذا الرَّبطُ يُمَهِّدُ لِقِراءةِ ما بَعدَه: ما هذه الأداةُ التي صارَ يُعرَفُ بها؟

«الأوتادِ»: ما يُثبَّتُ بِه فيُمسِك

الجِذرُ و-ت-د يَدورُ على ما يُغرَزُ فيَثبُتُ ويُمسِك. الوَتِدُ خَشَبةٌ تُدَقُّ في الأرضِ فتَرسَخُ، يُشَدُّ إليها الطُّنُبُ فيَقومُ البِناءُ أو الخَيمةُ ولا يَميد. والجَمعُ «أوتاد» يَكثُرُ به الإمساكُ ويَشتَدّ: كَثرةُ المَراسي تَزيدُ المَشدودَ ثَباتاً. فالأوتادُ في أصلِها أدَواتُ إرساءٍ تُمسِكُ ما يُخشى عليه التَّفَلُّت.

ووَصفُ صاحِبِ السُّلطانِ بِـ«ذي الأوتاد» يَجعَلُ أداةَ ثَباتِه ظاهِرةً في وَصفِه: قُوّةٌ تَرسُخُ بِما تَغرِزُه وتَشُدُّ به مَن دونَها. غَيرَ أنَّ السِّياقَ الذي وَرَدَ فيه عَدُّ هذا المَوصوفِ يَكشِفُ أنَّ هذا الرُّسوخَ المَوصوفَ لم يَعصِم: فالمُمسِكُ بِالأوتادِ أُدرِجَ في عِدادِ مَن لم يَثبُتْ مَصيرُهم. الأداةُ تُمسِكُ ما تُمسِك، ولا تُمسِكُ صاحِبَها.


حَصيلة

تَعطِفُ الآيةُ مَوصوفاً ثالِثاً على سابِقَيه في سِلكِ التَّعداد، فتَنظِمُ قُوّةً إلى قُوّة. والاسمُ يَأتي مَوصوفاً بِـ«ذي»، وهي نِسبةُ المالِكِ إلى مِلكِه، فيُعرَفُ صاحِبُ السُّلطانِ بِأداتِه. والأداةُ «الأوتاد» من و-ت-د: ما يُغرَزُ فيَرسَخُ ويُمسِك، والجَمعُ يُكَثِّرُ الإمساكَ ويَشُدّ. فالمَوصوفُ قُوّةٌ تَرسُخُ بِما تَغرِزُه وتَشُدُّ به ما دونَها. لكنَّ مَوقِعَه في القائِمةِ يَقولُ إنَّ الرّاسِخَ بِأوتادِه أُلحِقَ بِمَن لم يَدُمْ: الأداةُ تُثَبِّتُ المَشدودَ، ولا تُثَبِّتُ المُمسِكَ بها.