الفجر · الآية 9

﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ

«وَثَمودَ»: قَومٌ يُذكَرونَ بِصِفَةِ فِعلِهِم

عُطِفَت ثَمودُ على ما قَبلَها فدَخَلَت في سِياقٍ واحِدٍ يَعرِضُ قُوىً مَضَت. ولم يُكتَفَ بِالاسمِ مُجَرَّداً، فقد أُتبِعَ بِمَوصولٍ يَصِفُ صَنيعَهُم: «الَّذينَ جابوا». والقَومُ هُنا مُعَرَّفونَ بِأثَرٍ تَرَكوهُ في الأرضِ تَشهَدُ به الصَّخرةُ نَفسُها، ولم يُعَرَّفوا بِنَسَبٍ ولا بِزَمَن.

وهذا الرَّبطُ بَينَ الاسمِ والفِعلِ يَجعَلُ القُوّةَ هي العُنوان، فهُم قَومٌ بَلَغوا من المَكنةِ أن يُذَلِّلوا أصلَبَ ما في الأرض. فالذِّكرُ ذِكرُ اقتِدارٍ لا ذِكرُ ضَعف، وهذا الاقتِدارُ نَفسُه هو ما يُساقُ في مَوضِعِ العِبرَة.

«جابوا الصَّخرَ»: قَطعٌ يَنفُذُ في الصُّلب

والجِذرُ ج-و-ب مَدارُه على القَطعِ النّافِذِ الذي يَخرُقُ الشَّيءَ فيَقطَعُه، يُقالُ «جابَ الأرضَ» إذا قَطَعَها سَيراً، و«جابَ الثَّوبَ» إذا خَرَقَه ووَسَّعَ فيه، و«الجَوبُ» الخَرقُ في الشَّيء. ومَعنى «جابوا الصَّخرَ» أنَّهم نَفَذوا في الصُّلبِ حتّى قَطَعوهُ وفَتَحوا فيه، فهو اختِراقٌ يَبلُغُ الباطِنَ، زِيادةً على النَّقشِ على وَجهِه.

والصَّخرُ من ص-خ-ر: ما اشتَدَّ من الحَجَرِ وغَلُظَ حتّى صارَ مَثَلاً في الشِّدَّةِ والمَنَعَة. وفي جَمعِ الفِعلِ النّافِذِ إلى أصلَبِ مَوادِّ الأرضِ بَيانٌ لِقَدرِ القُوّةِ المَوصوفَة، فهي يَدٌ تَطوي ما لا يُطوى، وتَفتَحُ ما يَأبى الفَتح.

«بِالوادِ»: مَوضِعُ الفِعلِ مُنخَفِضٌ مَجرى

والوادي من و-د-ي: المَوضِعُ المُنخَفِضُ بَينَ الجَبَلَينِ يَجري فيه الماءُ ويَنحَدِر. وجَعلُ القَطعِ «بِالوادِ» يُثَبِّتُ المَكانَ مَجرىً مُنخَفِضاً تَلتَئِمُ فيه المَسالِك، فهُناكَ، في القَرارِ بَينَ الصُّخور، نُفِذَ في الحَجَر.

وفي اختِيارِ الوادي ما يَزيدُ الصّورَةَ رُسوخاً: فقد كانَتِ القُوّةُ في صَخرٍ مُنخَفِضٍ ثابِتٍ يَحفَظُ الأثَر، ولم تَكُنْ في فَضاءٍ مَكشوفٍ يُمحى. فالمَوضِعُ نَفسُه شاهِدٌ باقٍ على فِعلٍ مَضى وزالَ فاعِلُه.


حَصيلة

تُذكَرُ ثَمودُ مَوصولَةً بِصَنيعِها لا بِنَسَبِها: «الَّذينَ جابوا الصَّخرَ بِالوادِ». والجِذرُ ج-و-ب قَطعٌ يَنفُذُ في الشَّيءِ فيَخرُقُه، والصَّخرُ من ص-خ-ر أصلَبُ الحَجَرِ وأمنَعُه، والوادي من و-د-ي مَوضِعٌ مُنخَفِضٌ مَجرى تَلتَئِمُ فيه المَسالِك. فالآيةُ تُقيمُ قُوّةً بالِغَةً تُذَلِّلُ أصلَبَ ما في الأرضِ في قَرارٍ ثابِتٍ يَحفَظُ أثَرَها، وتَسوقُ هذا الاقتِدارَ نَفسَه في مَوضِعِ العِبرَة، فأمكَنُ القُوى تَبقى صَخرَتُها وتَزولُ يَدُها.