البلد · الآية 14

﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ

«أَوْ»: بابٌ ثانٍ لِنَفسِ الطَّريق

تَجيءُ «أو» فتَعطِفُ هذا الفِعلَ على ما قَبلَه، لِتَفتَحَ بابَينِ إلى مَوضِعٍ واحِد لا لِتُفَرِّقَ بَينَهما. ما قَبلَها فَكُّ رَقَبةٍ تُحَلُّ من رِبقَتِها، وما بَعدَها إطعامٌ يَسُدُّ خَلَّةَ جائِع. والعَطفُ بِـ«أو» يَقولُ إنَّ المَسلَكَ الصَّعبَ لا يُسلَكُ من بابٍ واحِد، فمَن لم يَجِدْ رَقَبةً يَفُكُّها وَجَدَ بَطناً يُشبِعُه، والعَقَبةُ مَفتوحةٌ بِأكثَرَ من مَدخَل.

وفي «أو» رِفقٌ بِالقادِر على هذا دونَ ذاك، إذ يُدَلُّ على أنَّ الاقتِحامَ يَقَعُ حَيثُ يَقدِرُ السائِرُ، غَيرَ مُكَلَّفٍ بابًا بِعَينِه. فالطَّريقُ واحِدةٌ في غايَتِها، مُتَعَدِّدةٌ في مَداخِلِها.

«إِطْعامٌ»: بَذلُ القُوتِ لا مُجَرَّدُ العَطاء

والجِذرُ ط-ع-م يَدورُ على ما يَدخُلُ الجَوفَ فيُقيمُ البَدَن، فالطَّعامُ ما يُؤكَل، والطَّعمُ ما يُذاقُ فيُعرَفُ به مَذاقُ الشَّيء، والإطعامُ أن تَجعَلَ غَيرَك طاعِماً بِأن تَنقُلَ القُوتَ إليه. ولَفظُ «إطعام» جاءَ مَصدَراً مُنَكَّراً مُطلَقاً، فِعلٌ يُذكَرُ بِنَفسِه لا بِفاعِلِه، كأنَّ المُرادَ تَثبيتُ الفِعلِ نَفسِه عَقَبةً تُقتَحَم.

والإطعامُ في هذا المَوضِعِ أشَدُّ من مُطلَقِ العَطاء، لأنَّه بَذلُ ما به قِوامُ الحَياة. مَن أطعَمَ فقد أعطى من قُوتِه قُوتاً، ونَقَلَ إلى غَيرِه ما يَحفَظُ به نَفسَه، فالفِعلُ يَمَسُّ الجائِعَ في مَوضِعِ حاجَتِه الأشَدّ، ويَمَسُّ المُطعِمَ في مَوضِعِ ما يَضِنُّ به.

«فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ»: جارٌّ ومَجرورٌ يُثَقِّلُ الفِعل

و«في يَومٍ» جارٌّ ومَجرورٌ يَحُدُّ زَمَنَ الفِعلِ ومَوقِعَه، واليَومُ من ي-و-م مُدَّةٌ مُمتَدّةٌ مَحدودةٌ، وِعاءٌ لِما يَقَعُ فيه. ولم يُترَكِ اليَومُ مُطلَقاً، إذ وُصِفَ بِـ«ذي مَسغَبةٍ»، أي صاحِبِ مَجاعةٍ. والمَسغَبةُ من س-غ-ب: الجوعُ الذي يَغورُ في الجَوفِ فلا يَظهَرُ كلُّه، خَلاءٌ مَستورٌ يَلِحُّ، فاليَومُ هنا يَومٌ يَحمِلُ الجوعَ ويُلازِمُه.

وذِكرُ هذا الزَّمَنِ يُضاعِفُ ثِقَلَ الإطعام: أن تُطعِمَ في يَومٍ تَعُمُّ فيه الخَلَّةُ غَيرُ أن تُطعِمَ في سَعةٍ. ففي يَومِ المَسغَبةِ تَشتَدُّ الحاجَةُ على الجائِعِ، ويَشتَدُّ على المُطعِمِ أن يُخرِجَ قُوتاً وهو نَفسُه في ضيق، فهذا الزَّمَنُ يَجعَلُ العَقَبةَ أحَدَّ صُعوداً، إذ يُطلَبُ البَذلُ حَيثُ يَعِزُّ المَبذول.


حَصيلة

وتَعطِفُ «أو» هذا الفِعلَ على فَكِّ الرَّقَبةِ لِتَفتَحَ إلى العَقَبةِ بابًا ثانياً لا لِتُفَرِّقَ، فمَن لم يَفُكَّ رَقَبةً أطعَمَ جائِعاً. و«إطعام» من ط-ع-م: نَقلُ القُوتِ الذي به قِوامُ البَدَن، جاءَ مَصدَراً مُطلَقاً لِيَثبُتَ الفِعلُ نَفسُه. والجارُّ والمَجرورُ «في يَومٍ ذي مَسغَبةٍ» يُثَقِّلُ الفِعلَ: اليَومُ من ي-و-م وِعاءُ زَمَنٍ مَحدود، والمَسغَبةُ من س-غ-ب جوعٌ يَغورُ في الجَوفِ ويَلِحّ. فالآيةُ تُقيمُ مَدخَلاً إلى المَسلَكِ الصَّعبِ يَقَعُ في أحرَجِ وَقتِه: بَذلُ القُوتِ يَومَ يَعِزُّ فيه القوت.