الليل · الآية 16

﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ

«الَّذي»: التَّعريفُ المُتَّصِل

«الَّذي» اسمُ مَوصولٍ يَتَعَلَّقُ بِـ«الأَشقى» في الآيةِ السابِقَة، ولم يُذكَرْ مَعَه اسمٌ مُسَمَّى، فقد عُدِلَ عن نَحوِ «فُلانٌ كَذَّبَ وتَوَلَّى» إلى المَوصول. والأَشقى هُوَ كلُّ مَن صَدَقَ عَلَيه الفِعلان، والتَّعريفُ مَفتوحٌ يَدخُلُ فيه كلُّ مَن انطَبَقَت عَلَيه الصِّفَتان.

وَفي اختيارِ «الَّذي» المُذَكَّرِ نَكتَفي بِما تَعطيه العربيّةُ مِن إفادَة، والكَلِمَةُ تُعَمِّمُ على المَوصوفِ بِالصِّفَتَين، لا على فَردٍ بِعَينِه، فكلُّ مَن جَمَعَ الفِعلَين دَخَلَ في تَعريفِ الأَشقى.

«كَذَّبَ»: التَّكذيبُ المُجَرَّدُ مِنَ المَفعول

والفِعلُ هُنا مَتروكٌ بِغَيرِ مَفعول، فلم يُعَيِّنِ النَّصُّ ما وَقَعَ عَلَيه التَّكذيب، وقد كانَتِ الآيةُ التاسِعَةُ عَيَّنَتْه في «وَكَذَّبَ بِالحُسنى»، فالمَفعولُ هُناكَ مَذكورٌ وهُنا مَحذوف، والحَذفُ تَرَكَ النَّصَّ مَفتوحاً على كلِّ صورَةٍ مِن تَكذيب.

وهذا الجِذرُ يَتَكَرَّرُ في الكِتابِ بِصُوَرٍ كَثيرَة: كَذَّبَ بِالحُسنى، وكَذَّبَ بِالحَقّ، وكَذَّبَ بِالرَّسولِ، وكَذَّبَ بِاليَومِ الآخِر. واختارَ النَّصُّ هُنا صيغَةً عامَّةً هي «كَذَّبَ»، فيَدخُلُ فيها كلُّ تَكذيبٍ يَكونُ مِن جِنسِ الذي وُصِفَ في الآياتِ السابِقَة: مَن نَبَذَ بِفِعلِه الحُسنى داخِلٌ في الصِّفَة، ومَن انكَرَ ما يَستَحِقُّ التَّصديقَ داخِلٌ فيها، وكذلك كلُّ تَكذيبٍ بِالباءِ المَوقِفيَّةِ السابِقَة.

«تَوَلَّى»: قَلبُ الظَّهرِ في صورَةٍ مُتَكَرِّرَة

والجِذرُ و-ل-ي (وَلّى مَعَ تاءِ المُطاوَعة) يَدُلُّ على إدارَةِ الظَّهرِ والانعِطافِ بَعيداً، وَ«تَوَلَّى» على وَزنِ تَفَعَّل يَدُلُّ على فِعلٍ نَفسيٍّ مُتَكَرِّر، فهو تَوَلٍّ يَتَكَرَّرُ ويَتَدَرَّج، لا انعِطافَةٌ واحِدَة.

وَالكَلِمَةُ في الكِتابِ تَتَكَرَّرُ في صورَتَين رَئيسَتَين: الأُولى الإعراضُ عَن دَعوَة، كما في فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾، والثانيَةُ التَّوَلّي عَن الإيمانِ بَعدَ الدَّعوَةِ، كما في وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾. وفي سورتِنا جاءَ قَبلَه الفِعلُ «كَذَّبَ»، فالتَّوَلّي يَلي التَّكذيب، وكأنَّ التَّكذيبَ مَوقِفٌ يُتَّخَذ، والتَّوَلّي حَركَةٌ تَنبَني عَلَيه.

«كَذَّبَ وَتَوَلَّى»: الفِعلانِ كَوَجهَين لِمَوقِفٍ واحِد

وإذا اجتَمَعَ التَّكذيبُ والتَّوَلّي في إنسانٍ اكتَمَلَ الانفِكاك: فالتَّكذيبُ يُلغي الالتِزامَ بِالحَقّ، والتَّوَلّي يَقطَعُ النَّظَرَ إلَيه، والأَوَّلُ مَوقِفٌ والثاني حَركَة، أي كَلِمَةٌ ثُمَّ ظَهر. وَالأَشقى هُوَ مَن جَمَعَ الاثنَين، فلَم يَكتَفِ بِأَن يُكَذِّبَ في قَلبِه حتّى ضَمَّ إلى ذلكَ أَن يُولّيَ ظَهرَه، ولَم يَكتَفِ بِأَن يَنحازَ بَعيداً حتّى ضَمَّ إلى ذلكَ أَن يَنبِذَ بِكَلِمَتِه.

وَفي اقتِصارِ النَّصِّ على هذَين الفِعلَين دِقَّةٌ، فقد تَرَكَ التَّعدادَ على نَحوِ «كَذَّبَ وَتَوَلَّى وَآذى وَاستَكبَر»، واكتَفى بِاثنَينِ كانا كافيَين، لِأنَّ الجَمعَ بَينَهُما هُوَ الذي يَجعَلُ الأَشقَوِيَّةَ مُكتَمِلَةً في صورَتِها. فمَن كَذَّبَ ولَم يَتَوَلَّ قَد يَعودُ، ومَن تَوَلَّى ولَم يُكَذِّب قَد يَرجِع، والذي يَجمَعُهُما يَكونُ قَد سَدَّ على نَفسِه بابَ العَودَة.

وستُقابِلُ الآيةُ التاليَةُ هذَين الفِعلَين بِفِعلٍ واحِدٍ مَوزون: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، فالأَشقى يَجمَعُ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، والأَتقى يَفعَلُ ضِدَّهُما، فيُؤتي مالَه ويَتَزَكَّى، ويَكتَمِلُ التَّوازي.


حَصيلة

تُحَدِّدُ الآيةُ هُوِيَّةَ «الأَشقى» بِفِعلَين: «كَذَّبَ وتَوَلَّى». والجِذرُ ك-ذ-ب نَقضُ الصِّدق، والجِذرُ و-ل-ي الانصِرافُ عن الشَّيءِ مُوَلِّياً ظَهرَه، والتَّكذيبُ مَوقِفٌ فِكريٌّ، والتَّوَلِّي مَوقِفٌ عَمَليٌّ، والاثنانِ مَعاً يَرسُمانِ إنساناً رَفَضَ في القَلبِ وانصَرَفَ في الجَسَد. و«الأَشقى» مَن عَرَفَ ورَفَض، لا مَن جَهِل، فاجتَمَعَ فيه التَّكذيبُ والتَّوَلِّي.