الليل · الآية 18

﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ

«يُؤتي مالَه»: الإيتاءُ في صيغَةِ المُضارِع

الفِعلُ «يُؤتي» مِنَ الجِذرِ أ-ت-ي، في وَزنِ أَفعَل المُتَعَدّي بِنَفسِه. وَالإيتاءُ قَريبٌ مِنَ الإعطاء، غَيرَ أنَّ بَينَهُما فَرقاً دَقيقاً، فالإعطاءُ مَدُّ يَدٍ بِشَيء، والإيتاءُ يَتَجاوَزُ ذلكَ إلى الإحضارِ والتَّقديم، و«أَتى» في العربيّةِ يَأتي بِشَيءٍ، فَالإيتاءُ تَقديمٌ مَع إحضار. وكانَ النَّصُّ في الآيةِ الخامِسَةِ قَد قالَ «أَعطى» (مَدُّ يَد)، ثُمَّ اختارَ هُنا في الآيةِ الثامِنَةَ عَشرَة «يُؤتي» (يُحضِرُ ويُقَدِّم)، وكأنَّ الأَتقى يُحضِرُ ما يُريدُ تَقديمَه ويُسَلِّمُه، ولا يَكتَفي بِمَدِّ يَدِه.

وَ«مالَه» مُضافٌ إلى ضَميرِ الغائِب، أي ما يَملِكُه. والإضافَةُ في سِياقِ الأَتقى ليست ادِّعاءً، كَما كانَت في «مالُه إذا تَرَدَّى» في الآيةِ الحاديَةَ عَشرَة، فالأَتقى هُنا يَعرِفُ أَنَّ ما في يَدِه قَد أُوتيَه، فَيُقَدِّمُه إلى مَن يَستَحِقُّ. وَالفَرقُ في النَّظَرِ إلى الإضافَةِ يَكشِفُ الفَرقَ بَين القُطبَين، فالمالُ نَفسُه، والإضافَةُ نَفسُها، ومَوقِفُ صاحِبِها مُختَلِفٌ تَماماً.

«يَتَزَكَّى»: التَّطَهُّرُ بِالنَّفس

والفِعلُ «يَتَزَكَّى» مِنَ الجِذرِ ز-ك-و، في وَزنِ تَفَعَّل، ومَعنى ز-ك-و في حَرفِه نُموٌّ مُتَحَقِّقٌ يَتَّصِلُ بِمَنفَعَةٍ خارِجَه. فالزَّكاةُ نُموٌّ يَخرُجُ مِنَ الذَّاتِ إلى مَن يَنتَفِعُ بِه، فَيَكونُ في خُروجِه نَماءٌ لِلباذِلِ نَفسِه.

وَصيغَةُ تَفَعَّل تَدُلُّ على فِعلِ النَّفسِ بِنَفسِها، فمَعنى «يَتَزَكَّى» يَجعَلُ نَفسَه تَنمو وتَطهُر. وَالكَلِمَةُ في الكِتابِ تُذكَرُ في مَواضِعَ تُلِمُّ كلُّها بِصورَةٍ واحِدَة، هي النَّفسُ التي تَطهُرُ بِبَذلِ ما عَنها، كما في قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾، وفي خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾، فالتَّزَكّي حَركَةُ نَفسٍ تَتَطَهَّرُ بِما تُخرِجُ مِن يَدِها.

«يُؤتي ... يَتَزَكَّى»: الفِعلانِ كَتَكامُل

والفِعلانِ مَعاً يَكشِفانِ صورَةً جامِعَةً: اليَدُ تُؤتي، والنَّفسُ تَتَزَكَّى، وهُما حَركَتانِ مُتَّصِلَتان. فالإيتاءُ غَيرُ مُحَرِّكٍ لِلتَّزَكّي مِن خارِج، ولا التَّزَكّي مُحَرِّكٌ لِلإيتاءِ مِن خارِج، والفِعلانِ يَجريانِ مَعاً، كَنَفَسٍ مَع زَفير، وكَأَنَّ الإيتاءَ تَزَكٍّ في مَوضِعِه، والتَّزَكّي إيتاءٌ في صورَتِه الباطِنيَّة.

وَالفَرقُ بَين هذه الصورَةِ وصورَةِ القُطبِ الآخَر (الَّذي كَذَّبَ وتَوَلَّى) فَرقٌ زَمَني، فالأَفعالُ هُناكَ ماضيَةٌ مَحسومَة، وهي هُنا مُضارِعَةٌ مُستَمِرَّة. وَفي هذا كَشفٌ عَن الجِهَتَين: فالقُطبُ الثاني مَوقِفٌ يُغلَقُ على نَفسِه (كَذَّبَ تَكذيباً مَحسوماً، تَوَلَّى تَوَلِّياً مَحسوماً)، والقُطبُ الأَوَّلُ حَياةٌ تَجري (يُؤتي ويُؤتي ويُؤتي، يَتَزَكَّى ويَتَزَكَّى)، والثاني صورَةُ مَوت، والأَوَّلُ صورَةُ نُموّ.

وستَكشِفُ الآيةُ التاليَةُ مَوقِفَ الأَتقى الباطِنيَّ في صورَةٍ أَنقى: وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ، فهو لا يُؤتي مالَه لِيَجزيَ مَن أَنعَمَ عَلَيه، ويُؤتي بِغَيرِ هذا الباعِث. ثُمَّ تُحَدِّدُ الآيةُ العِشرونَ الباعِثَ الوَحيد: إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى.


حَصيلة

الأَتقى يُؤتي مالَه يَتَزَكَّى، والجِذرُ ز-ك-و هو النُّمُوُّ الطَّاهِر، و«يَتَزَكَّى» صيغَةُ مُطاوَعَة، أي يُنمي نَفسَه بِإِعطائِه. فالمالُ هنا أَداةٌ لا غاية، ووَسيلَةٌ للنُّمُوِّ الداخِليّ. وعُدِلَ عن «يُؤتي لِيَتَزَكَّى» بِلامِ السَّببيَّة إلى «يُؤتي مالَه يَتَزَكَّى» في اقتِرانٍ مُباشِر، فالفِعلُ والثَّمَرَةُ واحِد، والعَطاءُ نَفسُه هو التَّزكِيَة.