الليل · الآية 19

﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ

«ما لِأحَدٍ»: نَفيٌ مُطلَق

«ما» نافيَة، واللامُ في «لِأحَدٍ» تَعليقيَّة، و«أحَد» نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفيِ تَستَغرِقُ كلَّ فَرد، والمَعنى أنَّه لا أحَدَ مِنَ الناسِ كانَ قَد قَدَّمَ لَه شَيئاً يَنبَغي أَن يَجزيَه عَلَيه. والجِذرُ أ-ح-د نَفسُه يَدُلُّ على الفَردِيَّةِ المُتَّحِدَة، وهو في سِياقِ النَّفيِ يَستَغرِقُ كلَّ فَردٍ مَهما كان.

وَفي اختيارِ هذه الصِّيغَةِ بَلاغَةٌ، فقد عُدِلَ عن أن يُقالَ «الأَتقى لا يَطلُبُ جَزاءً»، ولو جاءَ كذلك لَكانَ المَعنى أنَّه يَتَخَلّى عَن جَزاءٍ كانَ سَيَستَحِقُّه، وجاءَ بَدَلَه «ما لِأَحَدٍ عِندَه مِن نِعمَةٍ تُجزى»، فالجَزاءُ نَفسُه غَيرُ مُستَحَقّ، لِأنَّ النِّعمَةَ نَفسَها غَيرُ مُسجَّلَة. والإيتاءُ على هذا خُلُوٌّ مِنَ المُعامَلَةِ مِن أَوَّلِها، لا تَرَفُّعٌ عَن مُكافَأَة.

«نِعمَة»: ما يُسَمّى نِعمَة

والجِذرُ ن-ع-م يَدُلُّ على لِينٍ ووَفرَةٍ في حالٍ مُريح، ومنه «النِّعمَة» (ما يُتَنَعَّمُ بِه)، و«المُنعَم» (المُحسَنُ إلَيه)، و«الإنعام» (تَقديمُ ما يُنعَمُ بِه). والكَلِمَةُ في العربيّةِ مُحايِدَةٌ في ذاتِها، غَيرَ أنَّها تَستَدعي عَلاقَةً بَينَ المُنعِمِ والمُنعَمِ عَلَيه، والآيةُ تَنفي وُجودَ هذه العَلاقَةِ في حَقِّ الأَتقى، فلا أحَدَ في مَوقِعِ المُنعِمِ عَلَيه، فَيَكونَ هو في مَوقِعِ المُنعَمِ عَلَيه.

وَ«تُجزى» مِنَ الجِذرِ ج-ز-ي، وهو يَدُلُّ على المُكافَأَةِ بِالمِثل، ومنه «الجَزاء» (المُكافَأَةُ بِما يُساوي الفِعل)، و«جازى» (قابَلَ الفِعلَ بِفِعلٍ مُماثِل). وَ«تُجزى» هُنا مَبنيَّةٌ لِلمَجهول، صفَةٌ لِلنِّعمَة، أي نِعمَةٌ مِن جِنسِ ما يُجازى بِه، والمُرادُ أنَّه لا نِعمَةَ سابِقَةٌ كانَت تَنتَظِرُ مُكافَأَةً مِن الأَتقى، فالإيتاءُ خُلُوٌّ مِن هذا الباعِث.

المَوقِعُ في السورة

تَجيءُ الآيةُ بَعد ذِكرِ الأَتقى وفِعلَيه (يُؤتي مالَه يَتَزَكَّى)، وقَبلَ الكَشفِ عَن الباعِثِ الوَحيدِ (إلّا ابتِغاءَ وَجهِ رَبِّه الأَعلى). وَفي مَوقِعِها بَلاغَة، فهي حَلقَةُ النَّفيِ بَين فِعلَين وأَثَر: أَفعالٌ مُستَمِرَّة (يُؤتي، يَتَزَكَّى)، ثُمَّ نَفيُ كلِّ باعِثٍ يَستَدعيها، ثُمَّ كَشفُ الباعِثِ الوَحيدِ الذي بَقي.

وَهذا التَّرتيبُ يَكشِفُ شَيئاً عَن الأَتقى، فهو لا يُؤتي مالَه لِيَجزيَ مَن أَنعَمَ عَلَيه، ولا لِأنَّ ثَمَّةَ صَفقَةً سابِقَة، ولا لِأنَّه يَدفَعُ دَيناً، ولا لِأنَّه يُشتَرى بِما يُؤتي شَيئاً، وإيتاؤه لِغَيرِ كلِّ هذا. ثُمَّ تَقولُ الآيةُ التاليَةُ ما بَقي وَحدَه: ابتِغاءُ وَجهِ الرَّبِّ الأَعلى.

وَهذه الفِكرَةُ مَذكورَةٌ في الكِتابِ في صورَةٍ أُخرى تُضيءُ هذه الآية: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾، فالكَلِمَةُ نَفسُها (جَزاء)، والبِنيَةُ نَفسُها (نَفيُ مُكافَأَةٍ مُتَوَقَّعَة)، والإيتاءُ في كِلتا الآيَتَين خالٍ مِن هذا.


حَصيلة

تَكشِفُ الآيةُ ما يَستَبعِدُه الأَتقى، فقَولُه «وما لِأَحَدٍ عِندَه من نِعمَةٍ تُجزى» نَفيٌ مُطلَق في سياقِ النَّفي يُفيدُ العُمومَ، والإيتاءُ لَيس رَدَّ دَين، ولا مُكافَأَةَ مَعروف. والجِذرُ ج-ز-ي هو المُقابَلَةُ بِالمِثل، والأَتقى يُعطي ولا دَينَ عَلَيه لِأَحَد. فالآيةُ نَفيٌ يُمَهِّدُ للإثبات في الآيةِ التالية: لا دافِعَ للإيتاءِ إلّا وَاحِد.