الليل · الآية 20

﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ

«إلّا»: الاستِثناءُ بَعدَ التَّفريغ

«إلّا» تَستَثني مِنَ النَّفيِ السابِقِ شَيئاً يَخرُجُ مِنه، فقد نَفَتِ الآيةُ السابِقَةُ كلَّ مُكافَأَةِ نِعمَة، واستَثنَت هذه الآيةُ ابتِغاءَ وَجهِ رَبِّه الأَعلى، والمَعنى أنَّه ليس ثَمَّةَ نِعمَةٌ تُجازى مِن أحَد، غَيرَ أَنَّ ثَمَّةَ ابتِغاءً يُمارَسُ. والاستِثناءُ هُنا مُنقَطِع، إذ الباعِثُ المُستَثنى ليس مِن جِنسِ المَنفي، فالنِّعمَةُ المُجازاةُ صَفقَةٌ، والابتِغاءُ نِيَّةٌ مَفتوحَةٌ تَطلُبُ ما هُوَ أَكبَرُ مِنَ الصَّفقَة.

وَفي بَلاغَةِ التَّرتيبِ نُكتَة، فالسورةُ نَفَت أَوَّلاً كلَّ سَبَب، ثُمَّ أَثبَتَت السَّبَبَ الوَحيد، وهذا التَّرتيبُ يَجعَلُ الإثباتَ مُحَكَّماً، فالباعِثُ المُستَثنى يَنزِلُ في فَراغٍ مُسَوَّى، ولا يَدخُلُ تَزاحُماً مَع غَيرِه، وكأنَّ الأَتقى يَعمَلُ في صَحراءَ مِنَ الدَّوافِع، إلّا دافِعاً واحِداً يَقومُ في وَسَطِها.

«ابتِغاءَ»: الطَّلَبُ المَقصودُ المُتَكَرِّر

والجِذرُ ب-غ-ي يَدُلُّ على الطَّلَبِ والقَصد، ومنه «بَغى الشَّيءَ» (طَلَبَه) و«المَبغى» (المَقصود). و«ابتِغاء» هُنا مَصدَرٌ لِفِعلِ الافتِعال (ابتَغى)، ومَعناه طَلَبٌ يَتَكَلَّفُه الإنسانُ بِنَفسِه، فهو قَصدٌ مَنصوبٌ يَتَكَرَّرُ ويَتَجَدَّدُ في كلِّ فِعل، لا طَلَبٌ عابِر.

وفي الكِتابِ يَعودُ هذا الابتِغاءُ لِلوَجهِ في مَواضِعَ تُضيءُ هذه الآية: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، وفيها الذينَ يُريدونَ الوَجه، وإِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾، وفيها الإطعامُ لِلوَجه. والكَلِمَةُ في هذه السِّياقاتِ تَدُلُّ على دافِعٍ مَفتوحٍ يَتَجاوَزُ كلَّ مُكافَأَةٍ مُتَوَقَّعَة، وقد جاءَت هُنا في سورتِنا في صورَةِ الافتِعال: ابتِغاء، أي طَلَبٌ مَقصودٌ مُتَكَلَّفُه الإنسان.

«وَجه رَبِّه»: المَوضِعُ الذي تَنفَتِحُ مِنه الذَّاتُ على السائِر

و«الوَجه» في العربيّةِ مَأخوذٌ مِنَ المُواجَهَة، ووَجهُ الشَّيءِ هُوَ الجِهَةُ التي يُواجَهُ بِها، وهو يَدُلُّ على ما يَتَّجِهُ بِه الشَّيءُ نَحوَ غَيرِه، ولا يَنحَصِرُ في الجَسَدِ المَرئيّ. ومنه «وَجَّهَ كَلامَه إلى فُلان» (جَعَلَ كَلامَه يَتَّجِهُ نَحوَه)، و«مِن وَجهَيِ الأَمر» (مِن طَريقَيه). فَوَجهُ الرَّبِّ هُوَ ما يَتَوَجَّهُ بِه إلى المُتَوَجِّه إلَيه، أي الذَّاتُ التي تَنفَتِحُ على الناظِر.

وَ«رَبِّه» يَستَدعي الجِذرَ ر-ب-ب، الذي وَرَدَ في سورَةِ الفاتِحَة، ومَعناه المُلازِمُ الذي يَنمو بِه المَربوب. وَفي إضافَةِ «رَبِّه» إلى ضَميرِ الأَتقى تَخصيصٌ، وذلك بِالعُدولِ عن «رَبِّ العالَمين» في صيغَتِها العامَّة إلى «رَبِّه» في صيغَةِ الخُصوصِيَّة، وكأنَّ الأَتقى يَعرِفُ أنَّ الذي يُلازِمُه ويَنمو بِه يُلازِمُه مُلازَمَةً خاصَّة.

«الأَعلى»: التَّفضيلُ المُطلَقُ في صورَةِ الإطار

و«الأَعلى» مُذَكَّرُ صيغَةِ التَّفضيلِ على وَزنِ أَفعَل، والجِذرُ ع-ل-و في حَرفِه التِصاقٌ داخليٌّ مَوصولٌ بِمَرتَبَةٍ فَوقيَّة، فالأَعلى المَوضِعُ الذي يَفوقُ كلَّ مَوضِع. وَفي وَصفِ الرَّبِّ بِالأَعلى تَنبيهٌ على أنَّه لا يَنبَغي لِلسائِرِ أَن يَتَوَجَّهَ بِابتِغائِه إلى ما هُوَ دونَه، وأنَّ كلَّ ابتِغاءٍ سِواه هُوَ لِما هُوَ أَدنى.

وَبِذِكرِ «الأَعلى» في خاتِمَةِ هذا التَّعريفِ يُختَتَمُ ذِكرُ الأَتقى، ومَوقِفُه مُنَزَّهٌ مِن كلِّ ما هُوَ أَدنى، فالإيتاءُ ليس لِنِعمَةٍ تُجزى، ولا لِسُمعَةٍ تُكتَسَب، ولا لِحَظٍّ يُعَجَّل، وهو لِوَجهِ مَن هُوَ أَعلى. وَيَتَكَرَّرُ هذا الوَصفُ في الكِتابِ في مَواضِعَ كَثيرَة، ومِنها سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، والجَمعُ بَين الجِذرَين (ر-ب-ب و ع-ل-و) صِفَةٌ راسِخَةٌ في الكِتاب، فالذي يُلازِمُ المَربوبَ وهو يَنمو بِه هُوَ الأَعلى مِن كلِّ ما هُوَ دونَه.


حَصيلة

يَكشِفُ الاستِثناءُ الباعِثَ الوَحيدَ الصَّحيح: «إلّا ابتِغاءَ وَجهِ رَبِّهِ الأَعلى». والجِذرُ ب-غ-ي هو الطَّلَبُ بِتَوَجُّه، والوَجهُ في اللِّسانِ مَوضِعُ القَصد، و«رَبِّهِ الأَعلى» بِلَفظِ الرَّبِّ لا الإلَه، أي مَن يَتَعَهَّدُه ويُنَمِّيه. والابتِغاءُ توَجُّهٌ قاصِد، لا تَمَنٍّ. والإيتاءُ الذي لا يَبتَغي جَزاءً إنسانيّاً ولا مُكافَأَةً يَتَّجِهُ بِكلِّه نَحوَ الوَجهِ الأَعلى.