البقرة · الآية 16

﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ

«أُولَٰئِكَ الَّذِينَ»: اسمُ الإشارةِ البَعيد، وتَصنيفُ المَوصوف

تَبدأُ الآيةُ بـأُولَٰئِكَ﴾، وهو اسمُ إشارةٍ للبَعيد، بعد أن وَصَفَت الآياتُ السابقاتُ هذا الصِّنفَ بتَفاصيلَ دَقيقةٍ في بنيَتِه وسُلوكِه وحاسَّتِه، وكأنّ النَّصَّ يُشيرُ بهذا الوَصفِ كُلِّه إلى هَؤلاءِ البَعيدين الذين تَتَحَدَّدُ هُوِيَّتُهم بأفعالِهم المَذكورةِ الآن، ولا يُشيرُ به إلى القارِئين من قَريب. ثمّ جاء الخَبَرُ بصيغةِ المَوصول: الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾، فَرَبَطَ التَّعريفَ بالفِعل. وهنا يَنسُبُ الكِتابُ الهُويّةَ إلى العَمَل لا العَكس، فمعنى «هَؤلاءِ هُم» «الذين فَعَلوا»، دون «هَؤلاءِ هُم كَذا فَفَعَلوا كَذا». فالدَّورُ يَسبقُ الهويّة.

«اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ»: الشراءُ (ش ر ي) مقايضةٌ خاسرةٌ من جِنسِها

والشراءُ في جذره (ش ر ي) مقايضةٌ صَريحة، أي إخراجُ شيءٍ مقابلَ شيء. والمعنى أنّهم كانوا يَملكون بَوصلةً واضحة (هُدى = إشارةُ طريق)، فتَنازَلوا عنها لصالح تَيهٍ (ضَلال = خروجٌ عن المسار). والباءُ في بِالْهُدَىٰ﴾ للبَدَل والمُقابَلة، فالهُدى هو الثَّمَنُ الذي دَفَعوه، والضَّلالةُ هي السِّلعةُ التي أخذوها. والمؤكَّدُ أنّ خَسارةَ التجارة مَنطقُ المقايضة ذاتُه، وليست عقوبةً من خارج: مَن أعطى بَوصلتَه وأخذَ تَيهاً خسِر، لأنّ ما أعطاه كان أَنفَسَ ممّا أخذ. والمرادُ بقولِه فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ﴾ أنّ الصَّفقةَ في ذاتِها خاسرة، لا يُوجَدُ فيها هامشُ رِبحٍ أصلاً، ولا يَعني أنّهم اشتَرَوا ثمّ خَسِروا في سوقٍ لاحق.

«وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ»: النَّفيُ يَمتدُّ إلى الماضي، فلا هُدى سابقٌ للصَّفقة

وخُتمت الآيةُ بقوله وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ بصيغة «كانوا» دون «هُم»، فالنفيُ واقعٌ في الزمن الماضي أيضاً. والمعنى أنّهم دَخَلوا البابَ ليَخرُجوا من الآخر، ولم يكونوا مُهتدين ثمّ ضَلّوا، فكانت صَفقَتُهم خاسرةً منذ بَدأَت. والهِدايَةُ (ه د ي) فِعلُ اهتِداء، لا لَقَبٌ يُولَدُ معَه صاحبُه، فَمن لم يَبذُل الفِعلَ لَم تَكُن له هِدايَةٌ سابقة يُفَرِّطُ فيها، وإنّما كانَ يَحمِلُ في يدِه بَوصَلةً مَعروضةً مِن النَّصّ ولَم يَشتَغِل بها. فالصَّفقةُ إذن رَفضٌ لكَنزٍ كان مَعروضاً، وليست فُقداناً لكَنزٍ كان في الجَيب. وعلى هذا قامَ ميزانُ يوم الدين، يَقيسُ الاهتداءَ فِعلاً، ولا يَقيسُه صِفةً مَوروثة. فالكلمةُ تسبقُ المصطلح، والدورُ يسبقُ الهويّة.


حَصيلة

«أُولَئِكَ الَّذينَ» اسمُ إشارةٍ للبَعيدِ يَنسُبُ التَّعريفَ إلى الفِعل، فهؤلاءِ هُم «الذينَ اشتَرَوا»، والهُوِيَّةُ مُشتَقَّةٌ من العَمَل لا العَكس. والشِّراءُ (ش-ر-ي) مُقايَضةٌ صَريحة، أي إخراجُ شَيءٍ مُقابِلَ شَيء، وقد أخرَجوا الهُدى (ه-د-ي: إشارةُ طَريقٍ وبَوصَلةٌ إلى المَقصود) وأخَذوا الضَّلالةَ (ض-ل-ل: خُروجٌ عن المَسار). وخَسارةُ الصَّفقةِ من بِنيَتِها لا من عُقوبةٍ خارجيَّة: مَن أعطى بَوصَلتَه وأخَذَ تَيهاً خَسِرَ لأنَّ ما أعطاه كانَ أنفَسَ ممَّا أخَذ، ولا هامِشَ رِبحٍ في صَفقةٍ هذه طبيعَتُها. وخاتِمةُ الآيةِ تَمتَدُّ بالنَّفيِ إلى الماضي: «وما كانوا مُهتَدين»، لأنَّ الهِدايةَ (ه-د-ي) فِعلُ اهتِداءٍ يَبذُلُه الفاعِل، لا لَقَبٌ يولَدُ به، فمَن لم يَبذُلِ الفِعلَ لم يَكُن له هِدايةٌ سابِقةٌ يُفرِّطُ فيها، وكانَ يَحمِلُ في يَدِه بَوصَلةً مَعروضةً ولَم يَشتَغِل بها. والمِيزانُ يَقيسُ الاهتِداءَ فِعلاً، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيَّة.