البقرة · الآية 14

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ

«وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا»: الجُحرُ ذو الفتحتَين في الفعل الاجتماعيّ

وصفَت آيةُ النفاق الأولى البنيةَ، وهي قلبٌ بفَتحتَين، وتَعرضُ الآيةُ هنا هذه البنيةَ في الفعل الاجتماعيّ الصريح: فحين يَلقَون الذين يَصنعون الأمان يَقولون «آمَنّا»، وحين يَخلُون إلى دائرتهم الخاصّة يَقولون «إنّا معَكم». وهذا نَمَطُ وجودٍ، وليس تَلوُّناً اختياريّاً: واحدٌ له فَتحتان، يَستخدمُ كلَّ فَتحةٍ بحَسَبِ مَن أمامَه. ويَقعُ اللومُ في الآية على سلوكٍ ظاهرٍ يُعَدُّ ويُرى، دون ضَعفٍ قلبيٍّ لم يُعانَ منه صاحبُه، فالكلمةُ تُقالُ في مجلسٍ وتُنقَضُ في مجلس، وهذا وحدَه هو الفعلُ المحاسَبُ عليه.

«إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ»: الشيطانُ (ش ط ن) نزعةُ التَّباعُد

ومدارُ الشيطانِ في جذرِه (ش ط ن) على البُعدِ والتَّباعدِ عن المستقيم. و«شياطينُهم» في الآية قد تكونُ قادةَ الكفر ورؤوسَه الذين يَبعُدون بِمَن حَولَهم عن وسطيّة الطريق، وقد تكونُ نزعاتٍ داخليّةً تَشُدُّ العقلَ بعيداً عن مَركزه، ولا تَنحصرُ بالضرورة في كائناتٍ من عالم الغيب. والإضافةُ في «شياطينِهم» تُثبتُ الصِّلة، فهؤلاء شركاءُ دائرةٍ خاصّة يَرجِعُ إليها المنافقُ كأنّه يَعودُ إلى بيته، وليسوا عابرين. وتَعبيرُ خَلَوْا﴾ جِسرٌ لُغويٌّ دقيق، فـ«خَلا» (من خ ل و) معناه انفرَدَ في فَراغٍ مُغلَقٍ لا يَنظرُ فيه إليه أحد، أي أنّهم يَكشفون وَجهَهم الثاني في المَوضعِ الذي لا يَخشَون فيه الرَّقيبَ البَشَريّ، ولم يَنتبهوا إلى أنّ الخَلوَةَ عن الناسِ ليست خَلوةً عن الله.

«إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ»: الاستِهزاءُ (هـ ز ء) تَفريغٌ عمليّ، لا سُخريةٌ ضاحكة

والاستهزاءُ في جذرِه (هـ ز ء) تَفريغٌ لِقيمةِ المُستَهزَأِ به، ولا يَنحصرُ في الضَّحكِ أو السُّخريةِ اللُّغويّة، فهو يُحَوِّلُه إلى شَيءٍ خَفيفٍ لا ثِقلَ له، فيَسهُلُ على صاحبِ الاستهزاءِ تَجاوُزُه. وحَصرُ «إنّما» في قَولِهم يَتكرَّرُ هنا كما جاء في «إنّما نحنُ مُصلِحون» قَبلَ آيَتَين، وهو ذاتٌ تُغلِقُ على نفسِها بابَ كُلِّ تَفسيرٍ آخَرَ لِفِعلِها، فتُسمّيه «مُجرَّدَ تَسلِيَة». وهذا في حقيقتِه تَدبيرُ ضَرَرٍ يُقَدَّمُ بشِعارِ اللَّعِب، ولذلك سيَرُدُّ النَّصُّ في الآية التالية بلُغَتِهم نَفسِها: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، وهو ردٌّ مِن جِنسِ الفِعلِ لا من خارجِه.


حَصيلة

ما كانَ وَصفاً للبِنيةِ في الآياتِ السَّابِقةِ يَتَحَوَّلُ هُنا إلى مَشهَدٍ مُصَوَّر: غُرفتانِ ووَجهانِ، وكلٌّ منهما مُحكَمُ الإغلاقِ على مَن فيه. و«خَلَوا» من (خ-ل-و) انفِرادٌ في فَراغٍ لا يُراقِبُهم فيه بَشَر، وفيه يَكشِفون الوَجهَ الثَّاني نِسياناً لأنَّ الخَلوةَ عن الناسِ ليست خَلوةً عن الله. وشَياطينُهم (ش-ط-ن: البُعدُ والتَّباعُدُ عن المَركز) شُرَكاءُ دائرةٍ خاصَّةٍ يَعودُ إليها المُنافِقُ كَعَودةِ الإنسانِ إلى بَيته، وليسوا عابِرين. وكَلِمتُهم في الغُرفةِ الثَّانية «إنَّما نَحنُ مُستَهزِئون»، والاستِهزاءُ (ه-ز-ء) تَفريغٌ لِقيمةِ المُستَهزَأِ به وإظهارُه خَفيفاً لا ثِقلَ له، وأداةُ الحَصرِ «إنَّما» تَكرَّرَت كَما تَكرَّرَت في «إنَّما نَحنُ مُصلِحون» قَبلَ آيَتَين، دالّةً على ذاتٍ تَقفِلُ على نَفسِها كُلَّ تَوصيفٍ آخَرَ لِفِعلِها. وقد مارَسوا هذا التَّفريغَ على المُؤمِنين في الكَلامِ الخاصِّ وَحدَه، في الغُرفةِ التي ظَنّوها مُغلَقة، ومَن لم يَعلَم أنَّ الجِدارَ الخَلفيَّ للنَّفَقِ لا يَحجُبُ الرَّقيب لم يَستَطِع أن يَختارَ بَينَ وَجهَيه.