البقرة · الآية 50

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

«فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ» جذر: ف-ر-ق

وقد تَبَيَّنَ أنَّ الجذر يَتركّب من ف (تَفريق + نَفاذ) + ر (تكرار + جَريان) + ق (قَطع + إحكام)، فالفَرقُ فَصلٌ يَمتدّ ويَقطع. والباءُ في «بِكُم» تُفيد السَّببيّة والآليّة، فالمُخاطَبون هم الذين جُعِلَ البَحرُ يَفترق بعُبورهم، وعُبورُهم هو الفَرق، ولم يُفرَقِ البَحرُ ثُمّ أُدخِلوا فيه.

«فَأَنجَيْنَاكُمْ» جذر: ن-ج-و

وقد تَقدّم أنّ النَّجاةَ خُروجٌ من قَعرٍ يَنعقد في أمانٍ أعلى. والفاءُ هُنا تَعقيبيّة فوريّة، فلَم يُبقَ فَصلٌ زَمنيّ بين الشَّقّ والإنقاذ، كأنّهما حَدثٌ واحدٌ مُنقسمٌ على فِعلَين.

«وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ» جذر: غ-ر-ق

والغَرقُ سُقوطٌ يَدور حَول السَّاقط حتّى يُحيط به، والماءُ نَفسُه الذي صار جِدارًا للسابقين صار مُحيطًا للاحقين. وهذا التَّناقضُ في فِعلٍ واحد يُبيّن أنّ المادّةَ الواحدة تَستجيب لأمرَين مُختلفَين إذا اختلَف حامِلوها.

«وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ» جذر: ن-ظ-ر

والنَّظرُ بَصرٌ يُسقَط من مَركز العَين على المَرئيّ. والجُملةُ الحاليّة «وأنتم تَنظرون» تُثَبّت الشَّهادة، فالنَّجاةُ مَشهدٌ عاشَه أصحابُه، ولم تَكُن إخبارًا بعد زَمن. ومن هُنا تَكون الحُجّة أقطعَ في حَقّهم إن نَسُوا.


حَصيلة

تُفصِّلُ الآيةُ آلِيَّةَ النَّجاةِ التي أُجمِلَت في الآيَةِ السّابِقَة: فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾. وباءُ «بِكُم» دَقيقَة، فالشَّقُّ تَمَّ بِسَبَبِ المُخاطَبينَ وعَبرَهُم، وهم جُزءٌ من آلَةِ المُعجِزَة، لا مَفعولٌ بِه سَلبِيّ. ثُمَّ الفاءُ التَّعقيبِيَّةُ الفَوريَّةُ في فَأَنجَيْنَاكُمْ﴾، فلَم يُبقَ فَصلٌ بَينَ الشَّقِّ والإنقاذ. ومَنطوقُ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ يَحمِلُ دِلالَةً مُزدَوِجَة، فالماءُ الواحِدُ كانَ جِداراً للنّاجِينَ ومُحيطاً للغارِقين، أي أنَّ المادَّةَ نَفسَها تَستَجيبُ لِأَمرَين مُختَلِفَين حينَ يَختَلِفُ حامِلوها. وخِتامُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ يُثبِّتُ الجَماعَةَ المُنقَذَةَ شاهِدَةً، جَماعَةً رَأَتِ النِّهايَةَ بِأَعيانِها ثُمَّ صارَتِ الجَماعَةَ المُؤَسَّسَةَ على ذاكِرَةِ تِلكَ الرُّؤيَة. والإنقاذُ هُنا تَكليفٌ بِالشَّهادَة، غَيرُ رَحمَةٍ ساكِنَة: أنقَذَكُم لِتَكونوا شاهِدِين.