القارعة · الآية 3

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ

«وَما أَدراكَ»: صيغةٌ مَخصوصَةٌ بالقرآن

هذه الصيغةُ تَتَكَرَّرُ في القرآنِ في مَواضِعَ مَخصوصَةٍ بِأهوالٍ تَفوقُ القَدرَ البَشَريَّ على التَّصَوُّر: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾، وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، كأنّ الكتابَ يَفصِلُ بها بَين ما يُمكِنُ أن يَستَوعِبَه السامِعُ بطُرُقِه، وما لا يَدخُلُ إلّا من بابِ الإعلام.

والسامِعُ في هذه المَواضِعِ كلِّها يَتَلَقّى الجَوابَ بَعدَها أو لا يَتَلَقّاه، فلَيلَةُ القَدرِ يُجابُ عنها بـ«خَيرٌ من ألفِ شَهر»، والقارِعَةُ يُجابُ عنها بَعدَ آيَتَين، غَيرَ أنّ الجَوابَ نَفسَه صُوَرٌ، لا تَعريف: الناسُ كالفَراش، الجِبالُ كالعِهن، والتَّعريفُ فيه بالصورة، لا بالحَدّ.

«أَدراكَ»: العِلمُ من بابِ الحِسّ

والفِعلُ من جَذرِ د-ر-ي، والدِّرايَةُ في كلامِ العَرَبِ ضَربٌ من العِلمِ يَدخُلُ من حاسَّةٍ أو حَدس، يُقالُ: «دَريتُ بقُدومِه» إذا أَحَسَّ بِه المَرءُ دونَ أن يُخبَر، والصَّيّادُ يَدري الصَّيدَ إذا تَتَبَّعَه بآثارِه. فالدِّرايَةُ عِلمٌ يَلِجُ من البابِ السُّفليِّ للذِّهن، وهو ما يَتَسَلَّلُ إلى المَرءِ من قَرائنِ الحِسّ.

والقارِعَةُ ليست مِمّا يَتَسَلَّلُ إلى الذِّهنِ من قَرائنِ الحِسّ، ولا أَثَرَ لها في الحاضِرِ يُتَتَبَّع، ولا قِياسَ في المَعقولِ يَدُلُّ عَلَيها. وحتّى صيغةُ الفِعل: فـ«أَدراك» على صيغةِ «أَفعَل» التي تَنقُلُ الفِعلَ إلى مُتَعَدٍّ بهَمزَة، و«أَدراكَ» بمَعنى أَدخَلَ في دِرايَتِك، والسؤالُ: ما الذي يُمكِنُ أن يُدخِلَها في دِرايَتِك؟ ولا جَوابَ إلّا ما يَأتي بَعدُ من الوَحي نَفسِه.

دَرَجاتُ الكَشف: ثَلاثُ آياتٍ قَبلَ الصورَة

وقد بَنَتِ السورةُ ثَلاثَ دَرَجاتٍ قَبلَ أن تَفتَحَ بابَ المَشهَد: الأُولى ضَربَةٌ مُجَرَّدَةٌ بالاسم، والثانيَةُ سؤالٌ يُكَبِّر، والثالثَةُ إعلانُ عَجزِ السامِعِ عن الإحاطةِ بها بقُواه، ثمّ تَأتي الآيَةُ الرابعةُ بصورةٍ حِسِّيَّة: الناسُ كالفَراش.

وهذا الترتيبُ تَربيَةٌ للسامِع، فلا يُدخَلُ بهِ إلى الصورَةِ مُباشَرَة، وتُعَدُّ نَفسُه ثَلاثَ مَرّاتٍ قَبلَ أن يَراها. ومَن قَفَزَ إلى الصورةِ مُباشَرَةً قد يَستَكثِرُ مِنها مَجازاً ويَستَخِفُّ بها، أمّا مَن مَرَّ بثَلاثِ طَرَقاتٍ ثمّ بسؤالٍ مَرفوضٍ ثمّ بإعلانِ عَجز، فإنَّه حينَ يَرى المَشهَدَ في الآيَةِ الرابعَةِ يَراه على ما هو.


حَصيلة

السؤالُ الثالِثُ يُضيفُ طَبَقَةً جَديدَة، فقد عُدِلَ فيه عن «ما القارِعَة» إلى «ما أَدراكَ ما القارِعَة». والفِعلُ الجَديدُ «أَدراك» مِن جِذرِ (د-ر-ي)، ويَدُلُّ على العِلمِ الذي يَلِجُ مِن بابِ الحِسِّ والحَدَس: «دَريتُ بِقُدومِه» إذا أَحَسَّ بِه المَرءُ دونَ إخبار، وَ«أَفعَل» الهَمزيَّةُ نَقَلَتهُ إلى مُتَعَدٍّ، فـ«أَدراكَ» أَدخَلَ هذا الشَّيءَ في دِرايَتِك. وَالسُّؤالُ: ما الذي يُمكِنُ أَن يُدخِلَها في دِرايَتِك؟ وَالجَوابُ المَسكوتُ عَنه لا شَيء: لا حِسٌّ يَبلُغُها قَبلَ وُقوعِها، وَلا قِياسٌ يَستَوعِبُها.

وَهذه الصّيغَةُ «وَما أَدراكَ» تَتَكَرَّرُ في القُرآنِ في مَواضِعَ تَفوقُ الإحاطَةَ البَشَريَّة: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾، وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾، كَأَنَّ الكتابَ يَفصِلُ بِها بَينَ ما يَستَوعِبُه السّامِعُ بِطُرُقِه، وَما لا يَدخُلُ إلّا بِإعلامٍ مِن خارِجِ قُدرَتِه. والمُخاطَبُ نَفسُه داخِلٌ في هذا، وَفيه الدَّرسُ: ما لا يَعرِفُه بِالوَحيِ لا يَعرِفُه بِالظَّنّ.

وَقد بَنَتِ السّورَةُ ثَلاثَ دَرَجاتٍ تَهيُّئِيَّةٍ قَبلَ أَن تَفتَحَ بابَ المَشهَد: الأُولى طَرقَةٌ بِالاسمِ المُجَرَّد، والثانيَةُ سُؤالٌ يُكَبِّر، والثالثَةُ إعلانُ عَجزِ الإدراكِ حَتّى لِلمُخاطَب، ثُمَّ تَأتي الآيَةُ الرّابِعَةُ بِصورَةٍ حِسِّيَّة، ومَن مَرَّ بِهذا التَّهيُّؤِ الثُّلاثيِّ يَرى المَشهَدَ بِحَجمِه الحَقيقيّ.