الكافرون · الآية 3

﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ

«أَنتُم»: الضَّميرُ المُنفَصِلُ يُثَبِّتُ الفاعِلَ قَبلَ الفِعل

و«أَنتُم» في الآيةِ ضَميرٌ مُنفَصِل، وعُدِلَ بِه عن «وَلا تَعبُدون» التي يَكفي فيها الضَّميرُ المُتَّصِل، فأُفرِدَ «أَنتم» وأُبرِز، وهذا في النَّحوِ العَربيِّ يُفيدُ تَوكيدَ الفاعِلِ وتَخصيصَه.

كأنَّ السورةَ تَقول: لِيَكُن واضِحاً أنَّكم بأَعيانِكم، لا غَيرُكم، لَستُم في صِفَةِ مَن يَتَوَجَّهُ إِلى ما أَتَوَجَّهُ إِليه. والضَّميرُ يَلتَقِطُ المُخاطَبَ ويُثَبِّتُه أَمامَ ما سَيُقالُ عَنه، كما فَعَلَ النِّداءُ في الآيةِ الأُولى تَماماً، والسورةُ كلُّها بِناءٌ يَستَدعي حُضورَ المُخاطَبِ ثمّ يُؤَدّي إِلَيه الصياغَةَ بأَدَبِ المُحاوَرَة، لا بصَخَبِ المُجابَهَة.

ويُرجِعُ هذا التَّقديمُ النَّحويُّ صَدى صيغَةِ الفاتِحَة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فهُناكَ قُدِّمَ المَفعولُ على الفِعلِ ليُحصَرَ التَّوَجُّهُ في مَوضِعٍ واحِد، وهُنا قُدِّمَ الفاعِلُ على وَصفِهِ ليُحصَرَ الوَصفُ في فاعِلين بِعَينِهم، فالنَّحوُ في الفاتِحَةِ يَفصِلُ المُوَجَّهَ إِليه، والنَّحوُ في الكافِرونَ يَفصِلُ المُتَوَجِّهين.

«عابِدون»: الاسمُ الفاعِلُ يَكتُبُ صِفَةً، لا فِعلاً عابِراً

واسمُ الفاعِلِ في العَربيَّةِ يَدلُّ عَلى صِفَةٍ تَستَقِرُّ في صاحبِها، فـ«الآكِلُ» مَن وَقَعَ مِنه فِعلُ الأَكلِ ووَقَفَ عَليه، و«العابِدُ» مَن استَقَرَّت في باطنِه صيغَةُ التَّوجيهِ نَحوَ مَوضِعٍ مُعَيَّن. والفَرقُ بَينَ «يَعبُدُ» و«عابِد» أنَّ الفِعلَ يَصِفُ حَركَةً في زَمَنٍ مَخصوص، والاسمَ يَصِفُ صِفَةً ثابِتَةً يُحمَلُ بها صاحبُها في كلِّ زَمان.

فحينَ تَقولُ السورةُ «وَلا أَنتُم عابِدونَ ما أَعبُد» فالمَعنى أَدَقُّ من «لَستُم تَعبُدون»، والمُرادُ: لَستُم بصيغَةِ مَن تَستَقِرُّ في باطِنِه وِجهَةُ ما أَنا في وِجهَتِه. فالسورةُ تَنفي عَنهم الصِّفَة، لا الفِعلَ المَفصول، والصِّفَةُ أَوسَعُ من الفِعل، إذ الفِعلُ قد يَقَعُ مَرَّةً ثُمَّ يَزول، والصِّفَةُ تَلزَمُ صاحبَها فيما يَفعَلُ وفيما يَترُك.

والصيغَةُ هُنا تَفتَحُ أَيضاً القِراءَةَ التي تَجعَلُ الآياتِ الثالثَةَ والرابِعَةَ والخامِسَةَ تَختَلِفُ عَن الثانية، فالآيةُ الثانيَةُ بصيغَةِ الفِعل (لا أَعبُدُوالآياتُ الثالِثَةُ والرابِعَةُ والخامِسَةُ بصيغَةِ الاسمِ (عابِدون، عابِدفِعلٌ في زَمَن، وصِفَةٌ تَمتَدُّ في كلِّ زَمَن، والسورةُ تُزاوِجُ بَين الفِعلِ والصِّفَة، فلا يَبقى مَوضِعٌ في الفِعلِ ولا في الصِّفَةِ يَتَّسِعُ للخَلط.

«ما أَعبُد»: المَوصولُ يَنفَتِحُ على الواحِدِ المُعَيَّن

وتَكَرَّرَ المَوصولُ «ما»، فكانَ في الآيةِ الثانيةِ «ما تَعبُدون» مَفتوحاً على كَثرَةِ ما يُعبَدُ من دونِ الله، وهو هُنا في «ما أَعبُد» مَفتوحٌ نَحوياً، لكنَّه في حَقيقَتِه واحِدٌ مُعَيَّن، فـ«ما» الأُولى تَتَّسِعُ لِكَثيرين، و«ما» الثانيةُ تَتَّحِدُ على واحِد.

وَفي هذا التَّماثُلِ النَّحويِّ بَينَ كَثرَةٍ وواحِدٍ سِرٌّ من أَسرارِ التَّوحيد، فلُغَةُ الجِهَتَينِ هي نَفسُها («ما» في كلتا الجِهَتَين)، غَيرَ أنَّ المُسَمّى في جَنبَتَي «ما» مُختَلِف، والسورةُ تَترُكُ النَّحوَ يَنطِقُ بالحَقيقَة: فالفَصلُ في ظاهِرِه يُشبِهُ تَمييزاً بَينَ مَوضِعَين، وهو في حَقيقَتِه تَمييزٌ بَينَ كَثرَةٍ تَتَوَزَّعُ فيها إرادَتُكم وواحِدٍ تَجتَمِعُ عَلَيه إرادَتي.

ومَن يَجمَعُ الإرادَةَ على واحِدٍ يَخرُجُ من نَفسِه على غَيرِه، ومَن يُوَزِّعُها على كَثرَةٍ تَنفَلِقُ نَفسُه فيها، لذلك جاءَت السورةُ تَوصيفاً لِما يَتَرَتَّبُ عَلى كلٍّ من المَوقِفَين في باطِنِ صاحبِه، وليسَت مُعادَلَةً بَينَ خِيارَين مُتَكافِئَين. والصِّفَةُ التي تَنفيها عَنهم السورةُ صِفَةُ الجَمعِ في باطنِهم، لأنَّهم في كَثرَةٍ.


حَصيلة

يَتَحَوَّلُ الكَلامُ إلى الجِهَةِ الأُخرى: «وَلا أنتُم عابِدونَ ما أَعبُد»، والضَّميرُ المُنفَصِلُ «أنتُم» يُثَبِّتُ الفاعِلَ قَبلَ الخَبَر، و«عابِدون» اسمُ فاعِلٍ لا مُضارِع، والاسمُ الفاعِلُ يَكتُبُ صِفَةً راسِخَة. وقد اختَلَفَ الوَزنُ عن الآيةِ السابِقَة، فهناكَ فِعلٌ مُضارِع، وهنا اسمُ فاعِلٍ يَجعَلُ الوَصفَ أَثبَت. و«ما أَعبُد» يَنفَتِحُ على الواحِدِ المُعَيَّنِ الذي لا يَحتاجُ إلى اسمٍ في هذا السِّياق، لأنَّ السّامعَ يَعرِفُ مَن هو، ويَكفيهِ أن يَعرِف.