الكافرون · الآية 4

﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ

«ما عَبَدتُّم»: الماضي يُغلَقُ، فلا يَبقى مَوضِعٌ مَفتوح

و«عَبَدتُّم» فِعلٌ ماضٍ يَستَجمِعُ كلَّ ما وَقَعَ من المُخاطَبين قَبلَ تِلاوَةِ السورة، مِمّا تَعَبَّدوه في صَنَم، أو في إِلهٍ مَنزوع، أو في مَنفَعَةٍ ثَبَتَت في باطِنِهم وِجهَةً، فكلُّ ما مَضى يُجمَعُ في فِعلٍ واحِد: «عَبَدتُّم»، والمَوصولُ «ما» يُحيطُ بِكلِّ المَفعولات.

ويُقابِلُه اسمُ الفاعِلِ «عابِدٌ» في جانِبِ المُتَكَلِّم، وهذا التَّقابُلُ بَين الفِعلِ الماضي واسمِ الفاعِلِ بَليغ، فالماضي يَستَجمِعُ ويَختِم، والاسمُ يَستَوي في كلِّ زَمَن، وكأنَّه يَقول: حتّى لَو فَتَّشتُم في كلِّ زاويَةٍ من ماضيكم فلا تَجِدوني فيه، وصِفَتي لَيسَت مِمّا يُمكِنُ أن يَلتَقِيَ مَع تاريخِكم في نُقطَةٍ واحِدَة.

وهُنا يَلتَقي القَلَمُ النَّحويُّ بِفَهمٍ عَميق، فالسورةُ تَكشِفُ ما هو حاصِل، وتَستَنفِدُ به الزَّمَن، ولا تَتَوَعَّدُ بالمُستَقبَل، والفَصلُ كانَ، وليسَ مَعَكم بَعدَ الآن، ولَو فَتَحتُم تاريخَكم وفَتَحتُم تاريخي ورَأَيتُم نُقطَةَ التِقاء، لَوَجَدتُم أنّها في النَّحوِ وَحدَه، أمّا في المَفعولِ فلا.

«وَلا أَنا»: الضَّميرُ المُنفَصِلُ في طَرَفِ المُتَكَلِّمِ هذه المَرَّة

وكَما أَفرَدَت الآيةُ الثالثَةُ «أَنتم» تُفرِدُ الرَّابِعَةُ «أَنا»، فالضَّميرُ مُنفَصِلٌ في كلِّ جِهَة، والسورةُ تَتَوَخّى التَّوازُن، فيُسَمّى الفاعِلُ في كلِّ جِهَةٍ ويُثَبَّت، فلا يَنزَلِقُ الفَصلُ إِلى عُمومِ النَّاس.

وفي إِفرادِ «أَنا» قَبلَ «عابِدٌ» تَأكيدٌ أنَّ الصِّفَةَ المَنفيَّةَ مَوضوعَةٌ على شَخصِ المُتَكَلِّمِ بِعَينِه، ولا أَحَدَ غَيرُه يَنطِقُ بِلِسانِه، وهو يَقولُ بصيغَةِ الإفراد: أَنا، لا غَيري، لَستُ في صِفَةِ مَن يَتَوَجَّهُ إِلى ما تَوَجَّهتُم إِلَيه. وَفي القَرينِ النَّحويِّ بَينَ «أَنتم» في الآيةِ الثالثَةِ و«أَنا» في الرَّابِعَةِ سُلَّمٌ من المُحاوَرَة: في كلِّ جِهَةٍ ضَميرٌ يَتَلَقّى الوَصفَ بنَفسِه، أَنتُم بِأَعيانِكم، وأَنا بِشَخصي.

ومَن يَقرأُ هاتَينِ الآيتَينِ مُتَتاليَتَينِ يَسمَعُ في النَّحوِ نَفسِه أَدَبَ التَّخصيص، فالمُتَكَلِّمُ يَفصِلُ الإرادَتَينِ بَينَ شَخصَينِ مُحَدَّدَين، ولا يَفصِلُ نَفسَه عَن العالَم، وكلُّ مَن وَقَعَ في الحالَيْنِ بَعدَهم فالسورةُ تَفصِلُه أَيضاً.

التَّكرارُ: الزَّمَنُ يُستَنفَذ، لا يُكَرَّر

والتَّكرارُ في السورةِ سِرٌّ يَستَدعي الإصغاء: لِمَ تَأتي الآيةُ الثالثَةُ بَعدَ الثانيَة؟ ولِمَ تُعيدُ الخامِسَةُ ما قالَتهُ الثالثَة؟ ومن الأَجوِبَةِ البَليغَةِ أنَّ السورةَ تُعالِجُ الزَّمَن، فالآيةُ الثانيَةُ نَفيٌ في الحاضِر، ثُمَّ الثالثَةُ نَفيٌ في المُستَقبَلِ المَحمولِ في الصِّفَة، والرَّابِعَةُ نَفيٌ في الماضي، والخامِسَةُ تَكرارٌ لِلمُستَقبَلِ تَأكيداً وخَتماً.

ويَفتَحُ التَّكرارُ نَفسُه زاويَةً أُخرى، فاثنَتانِ تَنفيانِ التَّوافُقَ في المَفعول، واثنَتانِ تَنفيانِ التَّوافُقَ في الصيغَةِ والصِّفَة، وكلتا الزّاويَتَين تَلتَقيانِ في نُقطَةٍ واحِدَة، هي أنَّ السورةَ تَستَنفِدُ كلَّ مَوضِعٍ يُمكِنُ أن يَتَسَرَّبَ منه التَّقاطُع، فلا الزَّمَنُ يَلتَقي، ولا الفِعلُ يُقابِلُه فِعل، ولا الصِّفَةُ تَتَطابَقُ مَع صِفَة، وخَريطَةُ الفَصلِ مُستَنفَدَةٌ في خَمسِ آياتٍ مُتَتاليَة.

وهذا التَّكرارُ بِناءٌ يَتَّخِذُ الزَّمَنَ مادَّتَه، لا مَلَلَ فيه ولا حَشو، والقارِئُ يَخرُجُ من السورةِ وقد سَمِعَ صَوتَ مِعمارٍ يَستَوفي مِساحَتَه، فلا فُرجَةَ تَنفُذُ منها هَوادَةٌ، ولا ثُغرَةَ يَدخُلُ فيها مُسَوِّغٌ لِلخَلط.


حَصيلة

يَعودُ الكَلامُ إلى المُتَكَلِّمِ بِتَحَوُّلٍ في الزَّمَن: «ولا أَنا عابِدٌ ما عَبَدتُّم»، و«عَبَدتُّم» ماضٍ لا مُضارِع، فما مَضى من عِبادَتِهم مُغلَق. وعُدِلَ عن «ما تَعبُدون» التي جاءَت في الآيةِ الثانيةِ إلى «ما عَبَدتُّم»، وهذا الاستِخدامُ يَستَنفِدُ الزَّمَن، فما عَبَدتُموهُ سابِقاً غَيرُ طَريقٍ مَفتوحٍ أَمشي إليه. و«ولا أنا» ضَميرٌ مُنفَصِلٌ يُثَبِّتُ شَخصَ المُتَكَلِّمِ بِنفسِه، أي بالذّات، زِيادَةً على الفِعل. والتَّكرارُ استِنفادٌ تَدريجيٌّ لكلِّ ثُغرةٍ يُمكِنُ أن يُحشَرَ منها تَأويلٌ مُحاسِب، والتَّأكيدُ البَلاغيُّ بَعضُ ما فيه.