الكافرون · الآية 2

﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ

«لا أَعبُدُ»: نَفيٌ في الحاضِرِ المُستَمِرّ

و«لا» مع الفِعلِ المُضارعِ تَدُلُّ في العَربيَّةِ على نَفيِ الحاضِرِ المُمتَدّ، وأوثِرَت «لا أَعبُدُ»، أي الآنَ وفي كلِّ آنٍ يَستَمِرُّ في الحاضِر، على «لَن أَعبُد» التي تَستَقبِلُ الزَّمَن، وعلى «ما عَبَدتُ» التي تَستَدبِرُه، فالنَّفيُ يَلصَقُ بالفِعلِ في صيغةِ الاستِمرار.

وهذا يُعطي السورةَ بِنيَتَها التَّمييزيَّة: فالآيةُ الثانيةُ تَنفي في الحاضِر، والثالثةُ تَنفي عن المُخاطَبين بصيغَةِ المُستَقبَلِ المُحتَمَل، والرَّابعةُ تَنفي عن المُتَكَلِّمِ بصيغَةِ الماضي، والخامِسةُ تُكَرِّرُ الثالثة، فهي ثَلاثُ صيَغٍ في الزَّمَن، كُلُّها من الجَذرِ نَفسِه. والفَصلُ يُغَطّي الزَّمَنَ كُلَّه، فلا حاضِرٌ يَلتَقي، ولا مُستَقبَلٌ يُرتَجى، ولا ماضٍ يُذكَرُ قاعِدَةً، والأَزمِنَةُ تُستَنفَدُ على التَّوالي، فلا يَبقى موضِعٌ للخَلطِ يَنفُذُ منه.

والفِعلُ في «أَعبُدُ» و«تَعبُدون» هو الفِعلُ نَفسُه، بجَذرِه ووَزنِه، والاختِلافُ في الفاعِلِ وَحدَه، وكأنَّ السورةَ تَقول: لِيَكُنِ الفِعلُ هو الفِعل، فلا يَختَفي خَلفَ تَسميَتَين، وكِلانا «يَعبُدُ» في النَّحو، غَيرَ أنَّ ما تَنشَدُّ إِليه إرادَتي غَيرُ ما تَنشَدُّ إِليه إرادَتُكم. فالفَصلُ في مُتَعَلَّقِ الفِعل، لا في الفِعلِ نَفسِه.

«ما تَعبُدون»: المَوصولُ المُبهَم، لا الاسمُ المُحَدَّد

وعُدِلَ في السورةِ عن «الأَصنام» وعن كُلِّ اسمٍ بِعَينِه إلى «ما تَعبُدون»، و«ما» المَوصولَةُ تَترُكُ المَوصوفَ مَفتوحاً لِكُلِّ ما يَنشَدُّ إِليه فِعلُكم، وهو اختِيارٌ بَليغ.

ولَو سُمِّيَ الصَّنَمُ بِعَينِه لانحَصَرَت السورةُ في زَمَنِها، و«ما تَعبُدون» يَتَّسِعُ لِكُلِّ ما يُعبَدُ في كلِّ زَمان: الصَّنَمُ من حَجَر، والصَّنَمُ من مال، والصَّنَمُ من سُلطَة، والصَّنَمُ من رَأي، فكُلُّ ما تَنشَدُّ إِليه إرادَةُ إنسانٍ بِحَيثُ يَصيرُ مَجراها يَنفُذُ فيه فهو في حَيِّزِ «ما تَعبُدون». والسورةُ تَتَكَلَّمُ مَعَ كلِّ زَمَنٍ يَجِدُ فيه الإنسانُ ما يَستَدرِجُ إرادَتَه، ولا تَقِفُ عِندَ مَن كانَ أَمامَها.

ويَأتي الفِعلُ نَفسُه في الفاتِحَةِ بصيغَةِ الإيجاب: إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فهُناكَ تَوجيهُ الإرادَةِ إلى مَوضِعٍ واحِدٍ مُتَقَدِّمٍ نَحوِيّاً، وهنا نَفيُ التَّوجيهِ عن مَوضِعٍ آخَر، والسورتانِ تَعمَلانِ مَعاً، فالفاتِحَةُ تَفتَحُ الإيجاب، والكافِرونَ تَختِمُ النَّفي، وبَينَهُما مَوضِعُ القَلبِ مُحَرَّراً. ويَتَكَرَّرُ النِّداءُ في البَقَرَةِ بأَوضَحِ صيغة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، والأَمرُ الأَوَّلُ في القرآنِ بَعدَ البَسمَلَةِ والفاتِحَةِ أَمرٌ بالعِبادَة، والسورةُ هنا تَنفي ما يُزاحِمُ ذلك الأَمرَ في القَلب.

الفِعلُ نَفسُه عَلى الجِهَتَين: ما الذي يَفصِلُ إذَن؟

وفي الآيةِ كَلِمَتانِ تَحمِلانِ الجَذرَ ع-ب-د: «أَعبُدُ» و«تَعبُدون»، والفِعلُ فيهِما هو الفِعلُ نَفسُه، وكأنَّ النَّحوَ يُبَيِّنُ أنَّ النَّاسَ كُلَّهم «يَعبُدون»، ولا أَحَدَ بِلا إرادَةٍ تَنشَدُّ إلى مَوضِع، والسُّؤالُ «إلى أَينَ تَنشَدُّ إرادَتُك؟»، وليس «هل تَعبُدُ؟».

وفي لُغَةِ السورةِ لا أَحَدَ بِلا «عِبادَة»، فكُلُّ إنسانٍ يُعَبِّدُ طَريقاً في باطِنِه، ويُذَلِّلُه بِالدَّوسِ عَلَيه، وهذا ما يَقولُه الجَذرُ ع-ب-د، والفَرقُ في المَوضِعِ الذي يُؤَدّي إليه ذلك الطَّريق. والسورةُ تُعلِن: طَريقي لا يُؤَدّي إلى حَيثُ يُؤَدّي طَريقُكم، ولا الفِعلانِ يَلتَقيانِ في الجَوف.

ولذلك كانَت السورةُ تَوضيحيَّةً غَيرَ عَدائيَّة، تَكشِفُ ما هو حاصِلٌ بالفِعل، ولا تُنشِئُ خِلافاً جَديداً، والإرادَتانِ مُختَلِفَتانِ من قَبلِ أن تُسَمّى السورة، والسورةُ تَفعَلُ أَدَبَ التَّسميَة، إذ تَقولُ ما هو قائم.


حَصيلة

يَبدأُ الإعلان: «لا أَعبُدُ ما تَعبُدون»، والمُضارِعُ يُفيدُ الاستِمرار، فهو موقفٌ ثابِتٌ في الحاضِرِ الدّائم، لا رَفضٌ عابِر. و«أَعبُد» (ع-ب-د) تَذليلُ الإرادَةِ وتَوجيهُها، والإعلانُ لا يُسمِّي ما يَعبُدُ الكافِرون، فـ«ما تَعبُدون» مَوصولٌ مُبهَم، والسورةُ لا تَنزِلُ إلى التَّسمية، ولا تَذكُرُ صَنَماً بِاسمِه. والفَصلُ يَقَعُ بَينَ وَجهَينِ للعِبادَة، لا بَينَ مَعبودَينِ بِأَعيانِهِما، والدِّينُ اختِلافٌ في الاتِّجاهِ قَبلَ أن يَكونَ اختِلافاً في الاسم.