الإسراء · الآية 12

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا

«آيَتَيْنِ»: اثنَتانِ، لا واحِدةٌ في حالَين

الكَلِمةُ مُثَنّاةٌ صَريحة. لم يُقَلْ «آيةً» تَتَقَلَّبُ، بَل «آيَتَيْنِ» تُعَدّان. ثُمَّ لا تَبقى التَّثنِيَةُ لَفظاً، فتَعودُ الآيةُ على كُلِّ واحِدةٍ بِاسمِها: «آيَةَ اللَّيْلِ» ثُمَّ «آيَةَ النَّهَارِ». اثنَتانِ في الإجمالِ واثنَتانِ في التَّفصيل.

و«جَعَلْنَا» من ج-ع-ل، وَضعُ الشَّيءِ في مَحَلٍّ يُمسِكُه ويُلصِقُه بِه. فاللَّيلُ والنَّهارُ لم يُوصَفا بِأنَّهُما آيَتان، بَل وُضِعَت فيهِما الآيَتانِ وُضعاً يَثبُت. والوَصفُ يُقالُ فيُرفَع، والوَضعُ يَبقى.

«فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ»: المَحوُ وَقَعَ على العَلامةِ لا على اللَّيل

قِفْ عِندَ المَفعول. لم يُقَلْ «فمَحَونا اللَّيل»، بَل «آيَةَ اللَّيْلِ». اللَّيلُ باقٍ في الآيةِ نَفسِها، تَذكُرُه بَعدَ المَحوِ كما ذَكَرَته قَبلَه. الذي مُحِيَ هو العَلامةُ التي كانَت تُقرَأُ بِه.

والمَحوُ من م-ح-و: ضَمٌّ مُلاصِقٌ يَحتَكُّ بِالسَّطحِ حتّى يُفضِيَ خالِياً. وهذا وَصفٌ دَقيقٌ لِما جَرى: السَّطحُ لم يُرفَع، إنَّما رُفِعَ ما كانَ عَلَيه. فاللَّيلُ لَوحٌ حُكَّ عنه خَطُّه، لا لَوحٌ كُسِر.

«مُبْصِرَةً»: اسمُ فاعِلٍ، فالنَّهارُ يُبصِرُ ولا يُبصَر

هذه الكَلِمةُ هي مَوضِعُ الوُقوفِ في الآية. «مُبْصِرَة» على وَزنِ اسمِ الفاعِل، لا «مُبصَرة» على وَزنِ اسمِ المَفعول. والفَرقُ لَيسَ حَرَكةً على صادٍ، بَل جِهةُ الفِعلِ كُلُّها. لَو قيلَ «مُبصَرة» لَكانَت العَلامةُ مَرئِيّةً يَقَعُ عَلَيها نَظَرُ النّاظِر. وقد قيلَ «مُبْصِرَة»، فهي التي تُبصِر.

فالمُقابَلةُ في الآيةِ لَيسَت بَينَ خافٍ وظاهِر، بَل بَينَ عَلامةٍ حُكَّ خَطُّها وعَلامةٍ جُعِلَت فاعِلةً لِلإبصار. والبَصَرُ من ب-ص-ر: انفِتاحٌ يَخرُجُ نافِذاً خالِصاً ثُمَّ يَجري حتّى يَبلُغ. فآيَةُ النَّهارِ لا تَنتَظِرُ عَيناً تَقَعُ عَلَيها، إنَّما هي نَفسُها الخارِجُ النّافِذُ الجاري. وما جَرَتِ العادةُ أن نَقولَه إنَّنا نُبصِرُ في النَّهار، والآيةُ تَقولُ إنَّ العَلامةَ هي المُبصِرة.

«لِّتَبْتَغُوا... وَلِتَعْلَمُوا»: غايَتانِ مَنصوصَتان

لامانِ اثنَتانِ، وغايَتانِ لا ثالِثةَ لَهُما في الآية. الأولى «لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ»: طَلَبٌ يَخرُجُ فيه الطّالِبُ إلى خارِجِه. والثّانِيَةُ «وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ»: مَعرِفةٌ تُمسِكُ وتُحصي. حَرَكةٌ إلى الخارِجِ ومِسكٌ في الدّاخِل، وكِلتاهُما مُعَلَّقةٌ بِعَلامةٍ تُبصِرُ وأُخرى مُحِيَ خَطُّها.

ثُمَّ يُختَمُ بِما هو أوسَعُ من العَلامَتَين: «وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا». والتَّفصيلُ من ف-ص-ل: قَطعٌ بِحافّةٍ صُلبةٍ يَجعَلُ كُلَّ مَفصولٍ قائِماً بِنَفسِه مُتَمَيِّزاً. والتَّضعيفُ في «فَصَّلْنَا» يُكَثِّرُ الفِعل، والمَصدَرُ بَعدَه يُؤَكِّدُه. فما فُعِلَ بِالعَلامَتَينِ لَيسَ استِثناءً في هذا الخَلق: هو طَريقَتُه في كُلِّ شَيء.


حَصيلة

آيَتانِ وُضِعَتا وَضعاً، ثُمَّ فُرِّقَ بَينَهُما بِفِعلَينِ لا بِوَصفَين: عَلامةٌ حُكَّ عنها خَطُّها فبَقِيَ مَحَلُّها، وعَلامةٌ جُعِلَت فاعِلةً فصارَت هي التي تُبصِر. ولم يُمحَ اللَّيل، إنَّما مُحِيَت آيَتُه. ولم يُقَلْ إنَّ النَّهارَ يُرى، بَل إنَّ آيَتَه مُبصِرة. وعلى هذَينِ الفِعلَينِ عُلِّقَت غايَتان: خُروجٌ يَبتَغي فَضلاً، وإمساكٌ يَعلَمُ عَدَداً وحِساباً. ثُمَّ تُرفَعُ الآيةُ عن مَوضِعِها فتَقولُ إنَّ هذا الفَصلَ بِعَينِه جارٍ في كُلِّ شَيء. والتَّفصيلُ لا يُفَرِّقُ لِيُبعِد، بَل يُفَرِّقُ لِيُعَدّ.