البروج · الآية 8

﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ

«وما نقموا منهم إلا»: الاستثناءُ الذي يُعرّي الفعل

تبدأُ الآيةُ بالنفي: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾، فلا يُوجدُ فيهم سببٌ آخر، ثمّ تأتي «إلا» فتُظهرُ الشيءَ الوحيد الذي عُدَّ عليهم، وهو أن يؤمنوا، وبذلك لا تتركُ الآيةُ للفاعلِ ستاراً من دعوى أو تبرير.

والتركيبُ نفسه قاسٍ في عدالته، فلو كان هناك عيبٌ آخر لذُكر، والنصُّ يَحصرُ النقمةَ في فعلِ الإيمان، فقد كرهوا منهم موضعَ أمنِهم، لا موضعَ فسادٍ فيهم.

«أن يؤمنوا بالله»: الأمنُ في جهةِ العزيز الحميد

والإيمانُ من أ-م-ن، وهو تصديقٌ يدخلُ القلبَ في أمان، فهو قولٌ على اللسان وسكونُ ثقةٍ في الداخل جميعاً. وقد جعلته الآيةُ فعلاً في «أن يؤمنوا»، فالذي نُقِمَ منهم حركةُ دخولٍ في هذا الأمن، وليس اسماً يُحمل.

ثمّ يُذكرُ الاسمُ موصولاً باسمَين من أسمائه الحسنى: العزيز الحميد، والعزيزُ لا يُغلَب ولا يُنالُ منه، والحميدُ مستحقُّ الحمد في ذاته، فالإيمانُ هنا دخولٌ في جهةٍ لا تُقهر، ولا يُنسبُ إليها إلا ما يستحقُّ الحمد، وما هو بفرارٍ إلى ضعف.


حَصيلة

تكشفُ هذه الآيةُ جوفَ الفعل، وهو ما وجدوه عليهم، فتبدأُ بالنفي المطلق ثمّ تُظهرُ الاستثناء الوحيد: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. و«النقم» من -ن-ق-م- بروزُ ضيقٍ يتحوّل إلى مؤاخذة وانتقام، فالآيةُ تنفي كلَّ مادةٍ للمؤاخذة ثمّ تُبقي الإيمانَ وحدَه. والإيمانُ من -أ-م-ن- حركةُ دخولٍ في أمنٍ وتصديقٍ يسكنُ إليه القلب، زيادةً على كونه لقباً، وما أُسيء فهمُه موضعَ عيبٍ كان في حقيقته أثبتَ ما في أصحابه. ثمّ يأتي الوصفان المُعرِّفان لله: «العزيز» من -ع-ز-ز-، وهو الذي اشتدّ حتى لا يُنالُ ولا يُغلَب، و«الحميد» من -ح-م-د-، وهو المستحقُّ للحمد في ذاتِه، فالإيمانُ هنا دخولٌ في جهةِ منعةٍ لا تُقهر، لا فرارٌ إلى ضعف. وحين ينقلبُ الاتهامُ شهادةً على صفاءِ موضعِه، لا يبقى للنقمةِ موضعٌ صحيح.