البروج · الآية 7

﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ

«ما يفعلون»: الفعلُ لا النية

تُمسكُ الآيةُ بالفعل دون الدعوى، فقد عُدل عمّا كانوا يظنون وعمّا كانوا يعلنون عن أنفسهم إلى مَا يَفْعَلُونَ﴾، والفعلُ في الجسد والزمن هو موضعُ الشهادة.

والمضارعُ يُبقي الفعلَ مفتوحاً أمام العين، كأنّ المشهدَ لا يزالُ يقع: نارٌ ذات وقود، وقعودٌ عليها، وفعلٌ مستمرّ بالمؤمنين، والسورةُ تجعلُ الزمنَ حاضراً حتى لا يتحوّل الألمُ إلى قصةٍ باردة.

«بالمؤمنين»: الأمنُ الذي صار محلَّ الأذى

و«المؤمنون» من أ-م-ن، ومادّتُه دخولٌ في أمانٍ وتصديقٍ يَسكنُ إليه القلب. ولم تُعرّفهم الآيةُ بقبيلةٍ ولا مكانٍ ولا اسمٍ خارجيّ، وعرّفتهم بما قامَ في داخلهم من أمنٍ وتصديق.

ولذلك يشتدُّ الفعلُ في السمع، فما وقعَ بهم وقعَ لأنهم حملوا صفةَ الأمن، لا لأنّ الآيةَ سمّتهم باسمٍ اجتماعيّ، وقد جعلَ أصحابُ الأخدود موضعَ الأمن محلَّ فعلِهم. فأصبحَ الجذرُ نفسه شاهداً: مَن آمنَ طلبَ السلامة، ومَن فَعلَ به هذا الفعلَ قطعَ عليه السلامةَ في الظاهر، ولم يَقطعها من الجذر.

«شهود»: عودةُ القَسَم داخل الجريمة

وقد قالت السورة قبل أربع آياتٍ: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، ثمّ رجعت الكلمةُ هنا في «شهود»، فصارت الشهادةُ داخلَ المشهد نفسه، زيادةً على كونها عنواناً كونيّاً، والفاعلون شهودٌ على فعلهم.

وهذا أقسى من الاقتصار على أنهم فعلوا، فالفعلُ قد يُتَوهَّمُ فيه الغفلة، والشهودُ ينفيها، وقد حضروا ما فعلوا، والقلبُ الذي يَجلسُ على النار ويشهدُ فعله يُغلقُ على نفسه بابَ الإنكار.


حَصيلة

ولم يكتفِ المشهدُ بالقعودِ على النار، فجاءت هذه الآيةُ بتهمةٍ ثانية: وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. و«يفعلون» مضارعٌ من -ف-ع-ل- يُبقي الفعلَ مفتوحاً أمام العين جارياً غيرَ منتهٍ، فالسورةُ تمنعُ الألمَ من أن يَبرُد إلى قصة. والمفعولُ بهم «المؤمنون» من -أ-م-ن-، وهم الذين دخلوا في تصديقٍ يَسكنُ إليه القلب ويجعلُه آمناً، وقد عرّفتهم الآيةُ بما قامَ في دواخلهم، ولم تُعرّفهم بنسبٍ ولا مكان. وأشدُّ ما في الآية وصفُ أصحاب الأخدود بـ«شهود» من -ش-ه-د-، وهو الجذرُ عينُه الذي أُقسمَ به في الآية الثالثة، ومعناه حضورٌ نافذٌ يَنتهي إلى إثبات، فعادَ الجذرُ الآن داخلَ الجريمة: هم يحضرون فعلَهم ويشهدونه، ولا يفعلون في غفلة، والحضورُ على الفعل يُغلقُ بابَ الإنكار.