البروج · الآية 9

﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

«له مُلكُ السماوات والأرض»: الاختصاصُ قبل الامتداد

تقدّمُ الآيةُ «له» على «مُلك السماوات والأرض»، واللامُ للاختصاص، تُحكمُه قبل أن يُذكرَ المدى، كأنّها تضعُ الخاتمَ أولاً ثمّ تَفتحُ الخريطة: كلُّ هذا له.

و«المُلك» من م-ل-ك، ومعناه إمساكٌ يَثبتُ معه التصرّف، فهو قدرةُ إحاطةٍ وحكم، غيرُ مُلكٍ لفظيّ. والسماواتُ والأرضُ هنا طرفا المَشهد، وليستا زينةً كونية: العلوُّ الذي افتتحت به السورة، والأرضُ التي شُقَّ فيها الأخدود.

«والله على كل شيء شهيد»: الشهادةُ لا تتركُ ذرةً خارجها

وتعودُ كلمةُ الشهادة مرّةً أخرى، ففي الآية الثالثة «شاهد ومشهود»، وفي الآية السابعة هم شهودٌ على فعلهم، وهنا «الله على كل شيء شهيد»، فقد ارتفعت الشهادةُ من علاقةٍ في القَسَم، إلى حضورٍ داخل الجريمة، إلى إحاطةٍ إلهيةٍ بكلّ شيء.

و«كلّ شيء» يَمنعُ الاستثناء، فلا يخرجُ عنه فعلٌ صغير، ولا نيةٌ مختبئة، ولا حفرةٌ بعيدة. والشيءُ ما ثبتَ له وجودٌ أو جهةٌ يُشار إليها، والشهيدُ حاضرٌ عليه، فإذا كان الله على كل شيءٍ شهيداً، فالنارُ وأصحابُها والمؤمنون وما فُعلَ بهم كلُّه حاضرٌ في علمٍ لا يغيب.


حَصيلة

تُفسّرُ هذه الآيةُ الاسمين اللذَين ختمت بهما الآيةُ السابقة، فالعزيزُ الحميد هو الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. و«المُلك» من -م-ل-ك- إمساكٌ ثابتٌ مع قدرةِ التصرّف، وهو غيرُ وصفٍ شكليّ، وتقديمُ «له» على «مُلك» يضعُ الاختصاصَ أوّلاً قبل أن يُذكرَ المدى، فكلُّ هذا الاتساع له. وقد بدأت السورةُ بسماءٍ ذاتِ بُروج ثمّ نزلت إلى أخدودٍ في الأرض، وجمعت هذه الآيةُ الطرفَين صراحةً، السماوات والأرض، كلُّها في مُلكٍ واحد. ثمّ خُتمت الآيةُ بعودةِ جذرِ الشهادة للمرةِ الثالثة: «والله على كل شيءٍ شهيد»، وكان في الآيةِ الثالثة شاهدٌ ومشهود في القَسَم، وفي الآية السابعة كان أصحابُ الأخدود شهوداً على فعلِهم، وهنا ترتفعُ الشهادةُ إلى إحاطةٍ إلهيةٍ تشملُ كلَّ شيء، فـ«كلّ شيء» لا تتركُ فعلاً ولا نيةً ولا أخدوداً خارجَ هذا الحضور.