الأعلى · الآية 8

﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ

الجذرُ ي-س-ر: ما تَجري فيه اليَدُ بِغَيرِ احتِكاك

ومِحوَرُ ي-س-ر في العربيّةِ السُّهولَةُ التي تَنفَتِحُ بَينَ اليَدِ ومَوضوعِها، وسُمِّيَتِ اليَدُ اليُسرى بِذلك لِأنَّ العَرَبَ كانوا يَستَعينونَ بِها في الأَفعالِ السَّهلَة، أو لِأنَّ الفَتلَ بِها يَجري بِغَيرِ مَشَقَّة. ومِن مَعاني اليَسارِ السَّعَة، وهي حالُ مَن تَفَتَّحَ عَلَيه ما كانَ مُغلَقاً، والمَيسورُ ما تَيَسَّرَ بِغَيرِ كُلفَة.

والصّورَةُ التي يَفتَحُها الجِذرُ صورَةُ الانحِناء: السَّبيلُ يَنحَني تَحتَ القَدَمِ بَدَلاً مِن أن تَتَكَسَّرَ القَدَمُ على السَّبيل. والتَّيسيرُ بِهذا المَعنى واقِعٌ في الطَّريقِ نَفسِه، يَجعَلُه أكثَرَ قَبولاً لِمَن يَسلُكُه، ولا يَقَعُ في الحِملِ يُخَفَّفُ مِن أَعلى.

«نُيَسِّرُك»: التَّيسيرُ يَنفُذُ في الذَّاتِ نَفسِها

والفِعلُ في «نُيَسِّرُك» مُتَعَدٍّ بِالكاف، والتَّيسيرُ فيه لِلذّاتِ لا عَلَيها، ومَعناه: نُلَيِّنُكَ ونُهَيِّئُكَ ونُنَقّيكَ مِن خَشِنِ ما يَحولُ بَينَكَ وبَينَ السَّبيل. والصّيغَةُ فَعَّل تَنفُذُ في كُلِّ جُزءٍ مِنَ المُيَسَّر، فلا يُترَكُ مِنه مَوضِعٌ على خُشونَتِه.

وفي البَقَرَة يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، والتَّيسيرُ هُناكَ مُرادٌ في الشَّريعَة، وهو هُنا مُرادٌ في الذّات، والإرادَةُ نَفسُها تَفتَحُ البابَين: تَيسيرَ الفِعلِ في الخارِج، وتَيسيرَ القائِمِ بِالفِعلِ في الدّاخِل.

«لِليُسرى»: الغايَةُ مِن جِنسِ الوَسيلَة

و«اليُسرى» اسمٌ مُؤَنَّثٌ مِنَ الجِذرِ نَفسِه، على وَزنِ فُعلى الذي يَستَعمِلُه القُرآنُ في صورَتَينِ مُتَقابِلَتَين: «الحُسنى» في مُقابِلِ «السُّوأى»، و«اليُسرى» في مُقابِلِ «العُسرى». والوَزنُ اسمُ تَفضيلٍ مُؤَنَّث، فمَدلولُه ما هو يَسير، وهو مَعَ ذلك الأَيسَرُ على الإطلاق.

واللّامُ في «لِليُسرى» لِلغايَة، فهو تَيسيرٌ يَأخُذُ المُيَسَّرَ نَحوَ ما هو أَيسَر، ومَآلُ ما يُيَسَّرُ إلى أَقصى ما في الجِنس، لا إلى مُتَوَسِّط. والكَلِمَتانِ إذا سُمِعَتا مُتَتالِيَتَينِ في فَمِ القارئِ أَسمَعَتاه كَيفَ يَنفُذُ التَّيسيرُ مِن أوَّلِ الجِذرِ إلى مُنتَهاه.


حَصيلة

وعدٌ ثانٍ يلحقُ وعدَ الإقراء: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ﴾، وهما كلمتانِ من جذرٍ واحدٍ تتناسجانِ في الفمِ تناسُجاً يُمثِّلُ ما تقولُه الآيةُ قبلَ أن يُفهَمَ بالعقل. و«نُيَسِّرُكَ» على وزنِ نُفَعِّلُكَ بتضعيفٍ من -ي-س-ر-، وهو تيسيرٌ ينفذُ في كلِّ تفصيل، لا تيسيرٌ جامعٌ من الخارج، ومدارُ الجذرِ على ما تجري فيه اليدُ بسهولةٍ وما ينحتُّ من السبيلِ بغيرِ مشقّة. ولامُ الجرِّ في «لِليُسرى» تجعلُ الغايةَ من جنسِ التيسير، فما يُيسَّرُ يؤولُ إلى ما هو أَيسر، والطريقُ ينحني تحتَ القدمِ بدلاً من أن تتكسَّرَ القدمُ على الطريق. وهذه الآيةُ تُتمِّمُ ما قد يُقلقُ القارئ: الإقراءُ والحفظُ في الآيةِ السادسة، والتيسيرُ هنا، ولا يُكلَّفُ بما لا يُيسَّرُ له، ومن أرادَ البابَ قُرِّبَ منه البابُ.