الأعلى · الآية 9

﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ

«ذَكِّر»: استِحضارُ ما كانَ غائباً

وذ-ك-ر في العربيّةِ مَدارُه على استِحضارِ ما كانَ غائِباً عَنِ القَلب، والذِّكرُ ضِدُّ النِّسيانِ الذي مَرَّ جِذرُه في الآيَةِ السّادِسَة («ن-س-ي»)، والذِّكرى اسمٌ لِما يُستَحضَرُ مِنَ الغَفلَة. ومِنه «ذَكَرَ الشَّيءَ»، أي أَحضَرَه في قَلبِه، و«تَذَكَّرَ»، أي طَلَبَ استِحضارَه بِجُهد. والصّيغَةُ فَعَّل (ذَكَّر) في الآيَةِ تُكَلِّفُ الفاعِلَ بِأن يُحدِثَ الاستِحضارَ في غَيرِه.

وجاءَ الأَمرُ بَعدَ الإقراءِ والتَّيسير، ولا يُؤمَرُ بِالذِّكرى مَن لم يُقرَأ ولم يُيَسَّر. والذِّكرى تَخرُجُ مِن قَلبٍ مَلَأَه ما أُلقِيَ فيه، وتَنزِلُ على قَلبٍ كانَ غافِلاً عَنه، والمُذَكِّرُ بِهذا المَعنى وَسيطٌ بَينَ ما أُلقِيَ عَلَيه وبَينَ مَن يَستَقبِلُه.

«إن نَفَعَتِ الذِّكرى»: شَرطٌ لا يُعَطِّل التَّكليف

والشَّرطُ بِـ«إن» في العربيّةِ يَفتَحُ احتِمالَين: قَد تَنفَع، وقَد لا تَنفَع. ومادّةُ ن-ف-ع تَدُلُّ على ما يَدفَعُ الضَّرَرَ ويُحدِثُ الخَيرَ في مَحَلٍّ ما، والنّافِعُ ما يُغَيِّرُ المَحَلَّ مِن نَقصٍ إلى تَمام. والذِّكرى نافِعَةٌ في قَلبٍ مُستَعِدٍّ لاستِقبالِها، عاطِلَةٌ في قَلبٍ أُغلِقَ عَلَيه.

والشَّرطُ هُنا لا يَعني تَوَقُّفَ الأَمر، وقد أوثِرَ فيه «ذَكِّر إن نَفَعَت» على «إن لم تَنفَع فلا تُذَكِّر»، والتَّكليفُ مُطلَق، والنَّتيجَةُ مَوقوفَةٌ على المُذَكَّر. ومَن أَدرَكَ هذا ذَكَّرَ بِغَيرِ مَلَلٍ مِنَ النَّتيجَة، لِأنَّ النَّتيجَةَ خارِجُ يَدِه، والذي في يَدِه فِعلُ التَّذكير، والذي في يَدِ المُذَكَّرِ قَبولُه أو رَدُّه.

الآيَةُ كَجِسرٍ بَينَ الإقراءِ والتَّفَرُّق

وتَقَعُ هذه الآيَةُ في نُقطَةِ تَحَوُّلٍ مِنَ السّورَة، فما قَبلَها وَعدٌ لِلمُقرَأ: «سَنُقرِئُكَ فلا تَنسى» و«نُيَسِّرُكَ لِليُسرى»، وما بَعدَها تَفَرُّقُ المُذَكَّرين: مَن يَخشى يَتَذَكَّر، ومَن يَشقى يَتَجَنَّب، وهي بَينَهُما تَكليفٌ يَفتَحُ بابَ التَّفَرُّق.

وفي النُّطقِ بِـ«فَذَكِّر» ما يُشعِرُ بِخُروجِ الفِعلِ مِن قَلبِ مَن أُقرِئَ إلى قُلوبِ مَن سَيُذَكَّر، والذِّكرى تَنزِلُ مِن سَماءِ الإقراءِ إلى أَرضِ القُلوبِ التي تَستَقبِلُها، وما يَستَقبِلُ هذه الذِّكرى يَتَفَرَّعُ في الآيَتَينِ التّالِيَتَين.


حَصيلة

تُفرِّعُ هذه الآيةُ عمّا سبقَ من وعودِ الإقراءِ والتيسير: فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ﴾، والفاءُ تخرجُ من الإقراءِ والتيسيرِ إلى أمرٍ واحد. و«ذَكِّر» على وزنِ فَعِّل من -ذ-ك-ر-، وهو استحضارٌ لما كانَ غائباً عن القلب، والصيغةُ المُضاعَفةُ تُكلِّفُ الفاعلَ بأن يُحدثَ هذا الاستحضارَ في نفسِه وفي غيرِه جميعاً، والذكرى مُهمّةُ المُقرَّأ نحوَ غيرِه، وليست ملكاً له. ثمّ جاءَ الشرط: «إن نَفَعَتِ الذِّكرى»، ومادّتُه -ن-ف-ع-: ما يدفعُ الضررَ ويُحدثُ الخيرَ في محلٍّ ما. والشرطُ يفتحُ بابَ الذكرى ولا ينفيها، فالتكليفُ مُطلَق والنتيجةُ موقوفةٌ على المُذَكَّر، ومن نفعَته الذكرى انتفع، ومَن لم تنفعه تجاوزَته الذكرى ولم تتعطَّل هي نفسُها. والآيتانِ التاليتانِ تتفرَّعانِ من هذا الشرطِ في طريقَين متقابلَين.