الأعلى · الآية 7
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«إلّا ما شاءَ اللَّه»: الاستِثناءُ يُعيدُ الشِّيئَةَ إلى مَوضِعِها
الاستِثناءُ بِـ«إلّا» في العربيّةِ يُخرِجُ شَيئاً مِنَ الحُكمِ السابِق. والحُكمُ السابِقُ في «فلا تَنسى» مُطلَقٌ يَستَغرِقُ كلَّ ما قُرِّئَ. والاستِثناءُ هُنا لا يُخرِجُ شَيئاً بِعَينِه، بَل يُخرِجُ ما تَتَعَلَّقُ بِه الشِّيئَة. الكِتابُ لا يُحَدِّدُ ما الذي يَستَثنيه. يُترَكُ ذلك إلى الذي يَشاء.
وفي هذا الاستِثناءِ تَوازُنٌ في الوَعد. لو كانَ الوَعدُ مُطلَقاً بِغَيرِ تَقييد، لَصارَ المُقرَأُ آلَةً تَعمَلُ مِن نَفسِها. لكنَّ الاستِثناءَ يُذَكِّرُ بِأَنَّ المُقرِئَ هو الذي يَهَبُ، وَمَن وَهَبَ يَستَطيعُ أن يَستَرِدَّ بَعضَ ما وَهَب. والشِّيئَةُ مَردودَةٌ إلى عِلمِه. ولِذَلكَ تَأتي العِلَّةُ بَعدَ الاستِثناءِ مُباشَرَةً.
«إنَّهُ يَعلَمُ الجَهرَ وما يَخفى»: المُقابَلَةُ غَيرُ المُتَوازِنَة
الجذرُ ج-ه-ر في العربيّةِ يَدُلُّ على إعلانٍ يَنفُذُ في الفَضاءِ ويَبلُغُ السَّمعَ مِن غَيرِ حِجاب. ومنه «الجَهرُ بِالقَولِ» (إعلانُه بِصَوتٍ مُرتَفِع)، و«النَّهارُ المُجاهَر» (الذي يُريكَ كلَّ ما فيه). والجَهرُ في الآيَةِ مُعَرَّفٌ بِأل: ما هو ظاهِرٌ بِنَفسِه، يُسمَعُ ويُرى دونَ حاجَةٍ إلى كَشف.
وفي مُقابَلَتِه «ما يَخفى». الجذرُ خ-ف-ي اختِفاءٌ يَستَتِر، نَقصُ الظُّهورِ في حَيِّزٍ ما. والمَوصولَةُ «ما» تُعَمِّمُ: كلُّ ما يَستَتِرُ، صَغيراً كانَ أو كَبيراً، نَفسيّاً أو عَيانيّاً. والمُقابَلَةُ غَيرُ مُتَوازِنَةٍ بِقَصد: الجَهرُ مَحدودٌ بِنَفسِه، فيَكفي اسمٌ مُعَرَّف. أمّا الخَفيُّ فَيَتَفَرَّعُ في صُوَرٍ لا تُحصى، فيَلزَمُ تَعميمُهُ بِالمَوصولَة.
العِلمُ يَستَغرِقُ الطَّرَفَين
الفِعلُ «يَعلَم» مُضارِعٌ يَدُلُّ عَلى عِلمٍ مُتَجَدِّدٍ في كلِّ آن. والجذرُ ع-ل-م في العربيّةِ مَعرِفَةٌ تُمَيِّزُ الشَّيءَ بِحَدِّه: ما يَجعَلُ الشَّيءَ مَعروفاً عِندَ مَن لَه عِلم. والآيةُ تَجعَلُ هذا العِلمَ يَستَغرِقُ طَرَفَي الظُّهورِ والاستِتار. لا يَنفَلِتُ شَيءٌ مِنَ العِلم، لا في صورَتِه الجَهريَّةِ ولا في صورَتِه الخَفيَّة.
وفي البَقَرَة وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾: العِلمُ هُناكَ مُحجوبٌ عَن الإحاطَةِ بِه. وَهُنا العِلمُ مُحيطٌ بِكلِّ ما يُحيطُ بِه الإنسانُ وما لا يُحيطُ. التَّعارُضُ بَين الآيَتَين تَكامُلٌ: عِلمُه يُحيطُ بِكلِّ شَيء، ولا يُحيطُ بِعِلمِه أَحَد.
حَصيلة
تستثني هذه الآيةُ ممّا وعدَ الوعدُ السابقُ ثمّ تُعلِّلُ: إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ﴾. الاستثناءُ بـ«إلّا» يُعيدُ المشيئةَ إلى مَن يهبُ الإقراء: ما يُحفَظُ موصولٌ بمشيئةٍ لا بآليّةٍ تعملُ من نفسِها. الكتابُ لا يُحدِّدُ ما الذي يُستثنى بل يتركُ ذلك إلى الذي يشاء. ثمّ تأتي العلّةُ بـ«إنّ»: الذي يستثني هو الذي يعلمُ. «يعلمُ» من -ع-ل-م- المعرفةُ التي تُميِّزُ الشيءَ بحدِّه. وتُقابلُ الآيةُ بين كلمتَين: «الجَهر» من -ج-ه-ر- إعلانٌ ينفذ، مُعرَّفٌ محدَّد. «وما يَخفى» من -خ-ف-ي- اختفاءٌ يستتر، موصولةٌ بـ«ما» تُعمِّمُ في كلِّ ما يستتر. الجهرُ يُحدَّدُ والخفيُّ يُعمَّم. ومَن أدركَ أنّ الذي يُقرِئُه يعلمُ ما جهرَ ببِه وما أخفاه، عرفَ أنّ ما ينفلتُ من حِفظِه ليسَ مفصولاً عن إصغاءِ من ألقاه.