الغاشية · الآية 9

﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ

«لِسَعيِها»: عائِدٌ يَرُدُّ الرِّضا إلى عَمَلِها

واللامُ في هذا المَوضِعِ لامُ التَّعليلِ والتَّعَلُّق، فالرِّضا مَوصولٌ بِشَيءٍ بِعَينِه، وهو «سَعيُها». والضَّميرُ في «سَعيِها» يَعودُ على ما قَبلَه، أي على الوُجوهِ التي وُصِفَت ناعِمةً، فالرِّضا الذي تَحمِلُه رِضاً عن سَعيٍ سَلَفَ ومَضى، غَيرُ مُعَلَّقٍ في الهَواء، وما قَبلَ هذا اليَومِ هو الذي يُثمِرُ ما فيه.

وتَقديمُ «لِسَعيِها» على «راضِيَة» يَجعَلُ السَّعيَ هو المَنظورَ إليه أوّلاً، فالوَجهُ ناعِم، ثُمَّ يُكشَفُ سَبَبُ نُعومَتِه فإذا هو سَعيٌ كانَ له. فالرِّضا لاحِقٌ بِالعَمَل، لا سابِقٌ له، والنَّعيمُ في الوَجهِ صَدىً لِجُهدٍ في الأمسِ لا عَطاءً بِلا مُقابِل.

«سَعيِها»: جَريٌ بِجُهدٍ نَحوَ غايَة

ومَدارُ س-ع-ي على المَشيِ بِجِدٍّ نَحوَ مَقصِد، فالسَّعيُ حَرَكةٌ فيها كَدٌّ وقَصدٌ وامتِدادٌ إلى ما يُطلَب، غَيرُ المَشيِ العابِر. ومَن سَعى فقد بَذَلَ ومَدَّ خُطاه نَحوَ شَيءٍ أرادَه، فالسَّعيُ عَمَلٌ مَوصولٌ بِغايَتِه، لا تَحَرُّكٌ بِلا وِجهَة.

فحينَ يُقالُ إنَّ الوَجهَ «لِسَعيِها راضِيَة» يُحَمَّلُ السَّعيُ كلَّ ما كانَ من كَدٍّ وقَصد، ثُمَّ يُجعَلُ هذا الكَدُّ نَفسُه مَوضِعَ الرِّضا، فالذي تَعِبَ في طَريقِه يَجِدُ في غايَتِه ما يُرضيه عن تَعَبِه، ويَرى السَّعيَ المُنصَرِمَ مَدخَلاً إلى ما هو فيه، ولا يَراه خَسارة.

«راضِيَة»: قَبولٌ يَسكُنُ ويَطمَئِنّ

والرِّضا من ر-ض-و، ومَعناه القَبولُ الذي تَسكُنُ إليه النَّفسُ وتَطمَئِنّ، فالرّاضي قابِلٌ لِما صارَ إليه، لا يُنازِعُه ولا يَطلُبُ سِواه، قد وافَقَ الأمرُ ما تُريدُ فاستَقَرَّت. والرِّضا ضِدُّ السُّخطِ الذي يَدفَعُ ويَرُدّ، فهو سُكونٌ بَعدَ مُوافَقة، لا قَبولٌ على مَضَض.

و«راضِيَة» وَصفٌ لِلوَجهِ نَفسِه، لا لِصاحِبِه فَحَسب، فكأنَّ القَبولَ والطُّمَأنينةَ ظَهَرا في القَسَماتِ ظُهوراً يُرى، والوَجهُ الذي رَضِيَ عن سَعيِه وَجهٌ هَدَأ، فلا تَوَقٌ إلى غَيرِ ما هو فيه ولا التِفاتٌ إلى ما فات.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ الوَجهَ الناعِمَ بِأنَّه «لِسَعيِها راضِيَة»، فاللامُ تَرُدُّ الرِّضا إلى عَمَلٍ مَوصول، والضَّميرُ يَعودُ على الوُجوهِ المُتَقَدِّمة. ومادّةُ س-ع-ي جَريٌ بِجُهدٍ وقَصدٍ نَحوَ غايَة، فالسَّعيُ كَدٌّ له وِجهَة، وأصلُ ر-ض-و قَبولٌ تَسكُنُ إليه النَّفسُ وتَطمَئِنُّ بَعدَ مُوافَقة. وتَقديمُ السَّعيِ يَجعَلُه المَنظورَ إليه أوّلاً، فالنُّعومةُ صَدى جُهدٍ سَلَف، والرِّضا لاحِقٌ بِالعَمَلِ لا سابِقٌ له. فالوَجهُ قد هَدَأَ ورَضِيَ، يَرى في سَعيِه المُنصَرِمِ مَدخَلَه إلى ما هو فيه، لا خَسارةً يَأسَفُ عَلَيها.