الغاشية · الآية 8

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ

«وُجوهٌ»: الوَجهُ يَنوبُ عَنِ الإنسانِ كُلِّه

تَبدَأُ الآيةُ بِنَكِرةٍ مُطلَقة: «وُجوه»، فلا أسماءَ ولا أعداد، وإنَّما وُجوهٌ تُعرَضُ كأنَّها تُرى الآن. والوَجهُ في الكلامِ ما يُقابِلُ النّاظِرَ مِنَ الإنسانِ فيَنوبُ عَنه كُلِّه، فيُقالُ «رَأيتُ وُجوهاً» ويُعنى أصحابُها. فالآيةُ إذ تَبدَأُ بِالوُجوهِ تُقَدِّمُ أُناساً مِن جِهةِ ما يَظهَرُ مِنهم ولا يُخفى، ولم يُرَدْ بِها وَصفُ عُضو.

وفي الوَجهِ يَنكَشِفُ الباطِنُ بِلا قَولٍ ولا حِساب، فالسُّرورُ يُشرِقُ فيه، والكَربُ يَنحَفِرُ عليه، فلا يَكادُ يُكتَم. ولذلك جُعِلَ الوَجهُ مِيزانَ الحالِ في هذا المَوضِع، فما اطمَأنَّ في الجَوفِ صَعِدَ إلى الوَجهِ فبان. وهذه الوُجوهُ قِسمٌ تَلِيهِ في السُّورةِ وُجوهٌ أُخرى عَلى حالٍ نَقيض، فالعَرضُ عَرضُ مَصيرَينِ يُقرَأُ كلٌّ مِنهما عَلى الوَجه.

«يَومَئِذٍ»: ظَرفٌ يُعَلِّقُ الحالَ بِيَومٍ بِعَينِه

و«يَومَئِذٍ» تَركيبٌ يَجمَعُ «يَوم» و«إذ»، ومَعناه يَومُ حينِ يَقَعُ ما وَقَع، والتَّنوينُ في «إذٍ» عِوَضٌ عَن جُملةٍ مَحذوفةٍ مَعلومةٍ مِنَ السِّياق، أيِ اليَومُ الذي تَقَدَّمَ ذِكرُه في صَدرِ السُّورةِ بِاسمِها «الغاشِية». فالنَّعيمُ في هذا المَوضِعِ حالٌ مَشدودةٌ إلى يَومٍ مُعَيَّن لا تَنعَقِدُ إلّا فيه، غَيرُ حالٍ عامّةٍ سائِلة.

وهذا التَّعليقُ يُحَوِّلُ الوَصفَ مِن خَبَرٍ مُرسَلٍ إلى مَوعِدٍ مَوقوت، فالوُجوهُ ناعِمةٌ «يَومَئِذٍ» لا قَبلَه، وما كانَ في الدُّنيا مَوزوناً بِالتَّقَلُّبِ يَستَقِرُّ في ذلك اليَومِ عَلى وَجهٍ واحِد، إذِ الظَّرفُ يَقطَعُ النَّعيمَ عَن كُلِّ زَمَنٍ سِواه فيَجعَلُه ثَمَرةَ يَومٍ بِعَينِه.

«ناعِمةٌ»: نَضارةٌ تَلينُ ولا تَخشُن

و«ناعِمة» مِنَ الجِذرِ ن-ع-م، ومَدارُه عَلى لِينٍ يَفيضُ فيُحيي، ومِنه النِّعمةُ لِما يَلينُ بِه العَيشُ ويَطيب، والنَّاعِمُ لِما رَقَّ مَلمَسُه فلَم يَخشُن، والنَّعيمُ لِدَوامِ ذلك اللِّين. فالوَجهُ الناعِمُ وَجهٌ ذَهَبَ عَنه الجَفافُ والكُمود، فعَلَتهُ نَضارةٌ طَرِيَّةٌ تُرى كأنَّها رِيٌّ بَعدَ ظَمَأ.

والنَّعيمُ في الوَجهِ أثَرٌ صاعِدٌ مِن باطِنٍ قَرَّ واطمَأَنّ، وليسَ زِينةً مُلصَقةً مِن خارِج، فقد فاضَ اللِّينُ في الجَوفِ فظَهَرَ عَلى السِّيما. والسِّياقُ يَجعَلُ هذا اللِّينَ مُقابِلاً لِما يَلي في وُجوهِ القِسمِ الآخَرِ مِن خُشوعٍ ونَصَب، فالنَّعيمُ هنا راحةُ مَن بَلَغ، لا تَعَبُ مَن سَعى ولَم يَصِل.


حَصيلة

تُقَدِّمُ الآيةُ أُناساً مِن جِهةِ وُجوهِهم، فـ«وُجوه» نَكِرةٌ تُعرَض، والوَجهُ يَنوبُ عَنِ الإنسانِ كُلِّه ويَنكَشِفُ فيه باطِنُه. و«يَومَئِذٍ» يَشُدُّ الحالَ إلى يَومٍ بِعَينِه هو يَومُ الغاشِيةِ المُتَقَدِّم، فلا يَنعَقِدُ هذا النَّعيمُ إلّا فيه. و«ناعِمة» مِن ن-ع-م، وهو لِينٌ يَفيضُ فيُحيي، أي نَضارةٌ صاعِدةٌ مِن جَوفٍ قَرّ، غَيرُ زِينةٍ مِن خارِج. وبِذلك تَعرِضُ الآيةُ القِسمَ الأوَّلَ مِن مَصيرَين: وُجوهٌ بَلَغَت فاستَراحَت، يُقرَأُ نَعيمُها عَلى السِّيما، مَشدوداً إلى ذلك اليَومِ وَحدَه.