الليل · الآية 11
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«وما يُغني»: مُساءَلَةُ الجِذرِ نَفسِه
«ما» هُنا نافيَة. وَ«يُغني» مِنَ الجِذرِ غ-ن-ي، الجِذرِ الذي بَنى عَلَيه القُطبُ الثاني نَفسَه في الآيةِ الثامِنَة. هُناكَ «استَغنى»: ادَّعى الغِنى لِنَفسِه. هُنا «وما يُغني عَنه»: لا يُغنيهِ ما ادَّعى أنَّه يُغنيه. الكَلِمَتانِ تَتَواجَهانِ في حِوارٍ خَفيّ. الأُولى ادِّعاء، والثانيةُ كَشفُه.
وَ«يُغني عَنه» تَركيبٌ دَقيق. ليس «وما يُغنيه مالُه» (لا يَجعَلُه غَنياً)، بَل «ما يُغني عَنه» (لا يَدفَعُ عَنه شَيئاً، لا يَقومُ مَقامَه في حِمايَتِه). الباءُ المُقَدَّرَةُ في «عَن» تَدُلُّ على الإبعادِ والكَفّ. أي: المالُ لا يَكُفُّ عَنه ما يَنزِلُ بِه.
«مالُه»: الإضافَةُ تَكشِفُ الزَّمَن
الإضافَةُ في «مالُهُ» تَجعَلُ المالَ مَنسوباً إلَيه. كَأنَّه يَملِكُه. وَفي اللَّحظَةِ التي يَتَرَدّى فيها، يَنكَشِفُ أنَّ هذه الإضافَةَ كانَت ادِّعائيَّةً لا حَقيقيَّة. الذي ظَنَّه «مالَه» كانَ مَوضوعاً في يَدِه فَترَةً مِنَ الزَّمَن، ثُمَّ تَرَكَه. الإضافَةُ كانَت زَمَنيَّة، لا مُلكيَّةَ ذَاتيَّة.
وَفي الكِتابِ يَتَكَرَّرُ هذا الكَشف. لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. ما ظَنَّه الإنسانُ سَنَدَه (المالُ، الأَولاد، السُّلطَة) لا يُغني عَنه شَيئاً في لَحظَةِ المُحاسَبَة. السورةُ هُنا تَلتَقِطُ هذا الكَشفَ في صورَةٍ واحِدَة: «إذا تَرَدّى».
«تَرَدّى»: الانحِدارُ المُتَتابِع
الجِذرُ ر-د-ي يَدُلُّ على الانحِدارِ والسُّقوطِ في هاويَة. ومنه «الرَّدى» (الهَلاكُ في صورَتِه السُّفلى)، و«المُتَرَدّيَة» (التي وَقَعَت مِن عُلوٍّ فَهَلَكَت). والصِّيغَةُ هُنا «تَرَدّى» على وَزنِ تَفَعَّل، تَدُلُّ على التَّكرارِ والتَّدَرُّج: انحِدارٌ يَتَتابَع. لا سَقطَةٌ واحِدَةٌ مُنتَهِيَة، بَل سَقَطاتٌ تَتَوالى.
وَ«إذا» تَدُلُّ على ما يَحدُثُ، فَالتَّرَدّي ليس احتِمالاً بَعيداً، بَل لَحظَةٌ ستَأتي حَتماً. مَن سارَ في طَريقِ العُسرى وَصَلَ إلى تَرَدٍّ. مَن استَغنى يَتَرَدّى. النَّمَطُ يَكشِفُ نَفسَه في الزَّمَن. السورةُ تَختَتِمُ هذا القُطبَ بِصورَةٍ مُحَسَّسَة: مَنظَرُ إنسانٍ يَنحَدِرُ، ويَدُه التي ظَنَّها مالاً تَنفَتِحُ فَتَفقِدُ ما فيها.
حَصيلة
سُؤالٌ بَلاغيٌّ يُضَيِّقُ المَساحَةَ على مَن يَتَصَوَّرُ الغِنى الحَقيقيَّ خارجَ السَّيرِ الصَّحيح. «ما يُغني عَنه» من الجِذرِ غ-ن-ي: يُقيه ويَنفَعُه. «مالُه» المَوضِعُ الذي يَظُنُّ فيه المُستَغني عن التَّقوى قُوَّتَه. الجَوابُ مَحذوفٌ مُضمَرٌ في القَلب: لا شَيءَ يُغني. السورةُ تَتَحَوَّلُ من التَّقريرِ إلى الاستِفهامِ التَّقريريّ. القُطبانِ لا يَختَلِفانِ في المَصيرِ لِمُجَرَّدِ الثَّروَة، والسَّعيُ الذي يُفرِّقُهُما أَعمَقُ مِن ذلك.