الليل · الآية 12

﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ

«إنَّ عَلَينا»: قَلبُ المَنظور

كانَتِ السّورَةُ تُخاطِبُ القارِئَ عنِ الإنسان: مَن أعطى يُيَسَّر، ومَن بَخِلَ يَتَرَدّى، وهذا كُلُّه بِضَميرِ الغائِب. ثُمَّ يَلتَفِتُ الضَّميرُ الآنَ إلى المُتَكَلِّم: «عَلَينا»، أي نَحنُ، الذي ظَلَّ خَلفَ كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِن قَسَمٍ وحُكم، فالسّورَةُ تُنزِلُ مَن يَتَكَلَّمُ عنِ الكَونِ إلى المَشهَد، مَعَ وَصفِها إيّاه.

و«عَلى» في العَرَبيّةِ تَدُلُّ على الالتِزامِ والعَهدَة، فـ«عَلَيهِ دَينٌ» أي في ذِمَّتِه دَينٌ يُؤَدّيه، و«عَلَيكَ أن تَفعَلَ» أي الفِعلُ في عُهدَتِك، و«عَلَينا الهُدى» هُنا أي الهُدى في عُهدَةِ المُتَكَلِّم، وكأنَّ المُتَكَلِّمَ يَلزَمُ نَفسَه بِما لا يَلزَمُه بِه أحَد، ولا يَلزَمُ نَفسَه إلّا مَن يَملِكُ ما يَلزَمُ بِه.

«الهُدى»: الدَّلالَةُ على الطَّريق، لا قَسرُ السَّيرِ فيه

والجِذرُ ه-د-ي يَدُلُّ على دَفعٍ مُستَقِرٍّ نَحوَ طَريقٍ مُنخَفِضٍ واضِح، والهُدى هُوَ الإشارَةُ إلى الطَّريقِ المُمَهَّد، وليسَ قَهرَ السّائِرِ على المَشي، والفَرقُ دَقيق: فاللّهُ يَجعَلُ الطَّريقَ ظاهِراً، والإنسانُ يَختار، ولَو كانَ الهُدى قَهراً لَما كانَ ثَمَّةَ قُطبانِ في الآياتِ السّابِقَة. فالإنسانُ يَختار، والهُدى يَنزِلُ مِنَ المُتَكَلِّمِ إلى مَن أرادَ الاهتِداء.

ولِهذا الجِذرِ في الكِتابِ صُوَرٌ تُضيءُ هذه الآية: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، أي قَدَّمنا لَه الطَّريقَين، وإِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، فالسَّبيلُ مُقَدَّمٌ والاختيارُ بَعدَه. والهُدى يَتَنَزَّلُ مِنَ المُتَكَلِّم، والاهتِداءُ يَقَعُ مِنَ السّائِر، والآيةُ هُنا تَلتَقِطُ الجانِبَ الأَوَّل: «إنَّ عَلَينا لَلهُدى»، أي الإشارَةُ إلى الطَّريقِ مَهَمَّتُنا، والسّائِرُ بَعدَ ذلكَ يَختار.

المَوقِعُ في السورة

وفي مَوقِعِ هذه الآيةِ مِنَ السّورَةِ نُكتَةٌ كَبيرَة، فقد كانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ تَكشِفُ القُطبَين، وكانَ القارِئُ قَد يَخرُجُ مِنَ السِّياقِ بِسُؤال: مَن دَلَّ الإنسانَ على الطَّريق؟ وهَل كانَ يَعرِفُ القُطبَين؟ وهَل قُدِّمَ لَه الاختيار؟

وتَنزِلُ الآيةُ في هذا المَوضِعِ بِالضَّبطِ لِتُجيبَ بِالإثبات: فالهُدى في عُهدَةِ المُتَكَلِّم، والإشارَةُ إلى الطَّريقِ مَنصوبَة، وليسَ ثَمَّةَ عُذرٌ في عَدَمِ الرُّؤيَة، وكُلُّ مَن وَجَدَ نَفسَه في طَريقِ العُسرى وَجَدَ نَفسَه فيها بَعدَ أن أُرِيَ غَيرَها. وتَرُدُّ السّورَةُ بِهذه الآيةِ على ما قَد يَظُنُّه الإنسانُ خَلفَ سَعيِه، فلَم تَكُن تَنقُصُه الإشارَة، وقد كانَت في عُهدَةِ مَن يَتَكَلَّمُ عَلَيه، فأدّاها.

ويَتَكَرَّرُ هذا التَّأكيدُ في الكِتابِ في صِيَغٍ مُتَنَوِّعَة، مِنها وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، أي الإرشادُ إلى السَّبيلِ المُستَقيمِ على الله، وهذه الآيةُ تَختَصِرُ ذلك في كَلِمَتَين: «عَلَينا الهُدى»، فلا يَخرُجُ السّائِرُ مِنَ الكِتابِ ولَم يَكُن أمامَه إشارَة.


حَصيلة

يَتَحَوَّلُ الكَلامُ مِن صيغَةِ الغَيبَةِ إلى صيغَةِ المُتَكَلِّم: «إنَّ عَلَينا لَلهُدى»، والضَّميرُ «نا» لِلجَمع، واللّامُ في «لَلهُدى» لِلتَّوكيد، والهُدى بِـ«عَلَينا» حِملٌ تَعَهَّدَه المُتَكَلِّم. ومَن يَملِكُ المَدارَين، اللَّيلَ والنَّهارَ والذَّكَرَ والأُنثى، ويَتَعَهَّدُ الهُدى، لا يُمكِنُ أن يَغيبَ عن خَلقِه. والآيةُ رَدٌّ ضِمنيٌّ على مَن ظَنَّ الكَونَ مَتروكاً، فمَن أنزَلَ اللَّيلَ والنَّهارَ أخَذَ على نَفسِه أن يُبَيِّنَ الطَّريق.