الليل · الآية 10

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ

«فَسَنُيَسِّرُهُ»: التَّيسيرُ يَلتَقي مَع الجِهَة

والفِعلُ نَفسُه (نُيَسِّرُهُ) يَنزِلُ في كِلا القُطبَين، وهذا هُوَ مَوضِعُ الإقرارِ بِأنَّ التَّيسيرَ صِفَةٌ كَونيَّةٌ تُلازِمُ الإنسانَ في حَرَكَتِه أيّاً كانَت جِهَتُه: فمَن سَلَكَ طَريقَ الحُسنى يَتَيَسَّرُ لَه ذلكَ الطَّريق، ومَن سَلَكَ ضِدَّه يَتَيَسَّرُ لَه ذلكَ الطَّريقُ كذلِك. والكَونُ لا يُقاوِمُ الإنسانَ في خَيارِه، والطَّريقُ تَتَكَيَّفُ مَعَ السّائِر.

وهذا أعمَقُ مِن أن يَكونَ مُجازاةً مُجَرَّدَة، وقد عُدِلَ فيه عن «نُعَسِّرُ عَلَيه»، فالتَّعسيرُ مُقاوَمَةٌ لِلإنسانِ في حَرَكَتِه، والتَّيسيرُ نَحوَ العُسرى استِجابَةٌ لِجِهَتِه: فمَنِ اختارَ أن يَنغَلِقَ على نَفسِه يُيَسَّرُ لَه ذلكَ الانغِلاق، ومَنِ اختارَ أن يَستَغنِيَ يُيَسَّرُ لَه ذلكَ الاستِغناءُ نَفسُه. وفي اليُسرِ نَحوَ العُسرى ما هُوَ أوقَعُ مِنَ المُقاوَمَةِ وَحدَها، إذ يَجِدُ الإنسانُ الأبوابَ كُلَّها تَنفَتِحُ نَحوَ ما اختارَه، ولَو كانَ ما اختارَه ضِدَّ نَفسِه.

«العُسرى»: التَّفضيلُ المُؤَنَّثُ في صورَتِه السَّلبيَّة

والجِذرُ ع-س-ر مُقابِلُ ي-س-ر تَماماً: فاليُسرُ سَلاسَةٌ والعُسرُ مُقاوَمَة، واليُسرُ لينٌ يَسيلُ والعُسرُ صَلابَةٌ تَجمُد. و«العُسرى» مُؤَنَّثُ «الأعسَر»، صيغَةُ تَفضيلٍ تُقابِلُ «اليُسرى» في الآيةِ السّابِعَة، وهي أشَدُّ ما يُمكِنُ أن يَكونَ مِن صَلابَة، ولا تَقِفُ عِندَ العُسر.

وفي صيغَتِها المُؤَنَّثَةِ تَكتَمِلُ بِنيَةُ السّورَة: الحُسنى، واليُسرى، والعُسرى، ثَلاثُ كَلِماتٍ على وَزنِ فُعلى، تُمَثِّلُ الغاياتِ المُجَرَّدَةَ التي يَتَوَجَّهُ إلَيها السّائِر، وكُلٌّ مِنها صيغَةُ تَفضيلٍ مُؤَنَّثَةٌ تَستَقبِلُ السّائِرَ كَما تَستَقبِلُ الأرضُ المَطَر، والسّورَةُ تَختارُ هذا النَّمَطَ بِعِنايَة.

المُلاحَظَةُ الأخيرَةُ في هذا التَّوازي

وإذا أتَمَّ القارِئُ الآياتِ السِّتَّ التي ذُكِرَ فيها القُطبانِ (٥-١٠) رَأى بِنيَةً مُحكَمَة: ثَلاثُ صِفاتٍ في القُطبِ الأَوَّلِ تُقابَلُ بِثَلاثِ صِفاتٍ في القُطبِ الثّاني، وجَوابٌ على القُطبِ الأَوَّلِ يُقابَلُ بِجَوابٍ على القُطبِ الثّاني، والفِعلُ في الجَوابَينِ واحِد، والمَوصوفاتُ في الجَوابَينِ على وَزنٍ واحِد. والفَرقُ كُلُّه في الجُذور: ع-ط-و / ب-خ-ل، و-ق-ي / غ-ن-ي، ص-د-ق / ك-ذ-ب، ي-س-ر / ع-س-ر، وهي ثَمانيَةُ جُذورٍ في أربَعَةِ أزواجٍ مُتَقابِلَةٍ تَبني التَّوازِيَ كُلَّه.

والآياتُ التّالِيَةُ سَتَأخُذُ القارِئَ بَعيداً عن هذا التَّوازي إلى ما هُوَ خَلفَه: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى، والعُسرى فيها تَنتَهي إلى انهِيار، وإِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى، فثَمَّةَ مَن يَهدي، وفَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى، والعُسرى فيها احتِراقٌ، زِيادَةً على أنَّها صَعدَة. وسَتَنزِلُ السّورَةُ مِنَ البِنيَةِ التَّجريدِيَّةِ إلى المَنظَرِ المُحَسَّس.


حَصيلة

يَنزِلُ الجَوابُ على القُطبِ الثّاني بِتَوازٍ صارِم: «فَسَنُيَسِّرُهُ لِلعُسرى»، بِالفاءِ نَفسِها والسّينِ نَفسِها والبِنيَةِ نَفسِها، غَيرَ أنَّ النِّهايَةَ «العُسرى» لا «اليُسرى». والجِذرُ ع-س-ر صَلابَةٌ تَقِف، والتَّيسيرُ هُنا تَيسيرٌ نَحوَ العُسرِ نَفسِه، فما كانَ الإنسانُ يَنزَلِقُ فيه يَتَيَسَّرُ لَه، والحَرَكَةُ تَشتَدُّ في الاتِّجاهِ نَفسِه، والطَّريقُ تَلينُ في الاتِّجاهَين: إلى اليُسرِ لِمَن أعطى، وإلى العُسرِ لِمَن بَخِل.