العلق · الآية 14

﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ

«أَلَم يَعلَم»: الاستِفهامُ التَّوبيخيّ

والهَمزَةُ إذا دَخَلَت على النَّفيِ أَفادَتِ الإثبات، فـ«أَلَم يَعلَم» مَعناها في الواقِع: قَد عَلِم. والاستِفهامُ هُنا تَوبيخٌ على نِسيانِ ما يَنبَغي أَلّا يُنسى، وقَد خَرَجَ عَن طَلَبِ الخَبَر، ومَن نَسِيَ هذا فقَد نَسِيَ الفِطرَةَ نَفسَها.

والآيَةُ تُذَكِّرُ بِما لا يَنبَغي أَن يُنسى، فالإنسانُ مُذ خُلِقَ عَلِمَ أَنَّ هُناكَ مَن يَراه، والكِتابُ يُذَكِّرُ بِهذا في كُلِّ مُناسَبَةٍ تَستَدعيه: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. فالرُّؤيَةُ الإلهِيَّةُ تَذكيرٌ بِما تَعرِفُه الفِطرَة، ولَيسَت خَبَراً جَديداً.

«اللهَ يَرى»: الفِعلُ مُطلَقاً بلا مَفعول

و«يَرى» فِعلٌ مُضارِعٌ بِلا مَفعول، فلَم يُحَدَّدْ ما يَراه الله، والإطلاقُ مَقصود، فلَو جاءَ «يَرى ما تَفعَل» لَحَصَرَ الرُّؤيَةَ بِفِعلٍ بِعَينِه، وعُدِلَ عَنه إلى «يَرى» مُطلَقَة، فيَدخُلُ تَحتَ الرُّؤيَةِ كُلُّ ما يُمكِنُ أَن يُرى، والنّاهي بِكُلِّ تَفاصيلِه ونِيّاتِه وخُطُواتِه داخِلٌ تَحتَ هذا الفِعلِ المُطلَق.

ويَأتي هذا الإطلاقُ في الكِتابِ في مَواضِعِ التَّحذير، فحينَ يُرادُ تَحذيرُ المُكَذِّبِ مِن غَفلَتِه تُترَكُ الرُّؤيَةُ بِلا مَفعول، فتَدخُلُ تَحتَها تَفاصيلُ حَياتِه كُلُّها، وكَأَنَّ الآيَةَ تَقول: ما تَفعَلُه كُلُّه مَنظور، بِلا استِثناء.

السِّتارَةُ التي تَخيَّلَها النَّاهي وَلَيسَت هُناك

والإنسانُ الذي يَستَغني ويَنهى ويُكَذِّبُ ويَتَوَلّى يَتَخَيَّلُ سِتارَةً بَينَه وبَينَ السَّماء، ولَولا هذه السِّتارَةُ المَوهومَةُ لَما اجتَرَأَ على الفِعل. والآيَةُ تَنزِعُ هذه السِّتارَة، فهي لَيسَت هُناك، وما تَخَيَّلَه ساتِراً لَيسَ سِتراً، وما حَسِبَه خَفِيّاً لَيسَ خَفِيّاً، والرُّؤيَةُ سارِيَةٌ مُنذُ كانَ عَلَقَة.

وفي الآيَةِ صَدىً لِما ذُكِرَ في الآيَةِ الخامِسَة: «عَلَّمَ الإنسانَ ما لَم يَعلَم»، فالذي عَلَّمَ الإنسانَ كُلَّ ما يَعلَمُه يَرى كُلَّ ما يَفعَلُه، والتَّعليمُ والرُّؤيَةُ مِن جِهَةٍ واحِدَة. فمَن نَسِيَ المُعَلِّمَ نَسِيَ الرّائي، ومَن ادَّعى الاستِغناءَ عَن المُعَلِّمِ ادَّعى الخَفاءَ عَن الرّائي، والآيَةُ تَفضَحُ الادِّعاءَينِ كِلَيهِما.


حَصيلة

هذا هو الجَوابُ عَن الفُروضِ الثَّلاثَة: فالنّاهي نَهى وكَذَّبَ وتَوَلّى، وكُلُّ ذلك في حُسبانِه خَفِيّ. و«أَلَم يَعلَم» (ع-ل-م) هَمزَةُ استِفهامٍ على النَّفيِ تُفيدُ الإثبات، أي قَد عَلِمَ ولكِنَّه نَسِيَ، أَو كانَ يَنبَغي أَن يَعلَمَ ولم يَعتَبِر. والتَّقابُلُ مَقصود: في الآيَةِ 7 «رَآهُ استَغنى»، فالإنسانُ رَأى نَفسَه، وهُنا «اللهُ يَرى»، فاللهُ يَراه، والرُّؤيَةُ الإنسانِيَّةُ الكاذِبَةُ تُقابِلُها الرُّؤيَةُ الإلهِيَّةُ الصّادِقَة. و«يَرى» (ر-أ-ي) مُضارِعٌ مُطلَقٌ بِلا مَفعول، وأوثِرَ فيه الإطلاقُ على «يَرى كَذا»، فهو يَرى كُلَّ شَيء. والسِّتارَةُ التي تَخَيَّلَها النّاهي لَيسَت هُناك، والرُّؤيَةُ سارِيَةٌ في كُلِّ لَحظَة، مِن أَوَّلِ عَلَقَة.