العلق · الآية 15

﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ

«كَلّا»: الضَّربَةُ الثانيَة

وهذه ثاني «كَلّا» في السّورَة، فالأُولى فَصَلَت بَينَ وَحدَةِ الإخبارِ بِالكَرَمِ ووَحدَةِ الكَشفِ عَن الطُّغيان، وهذه تَفصِلُ بَينَ التَّوبيخِ السُّؤالِيِّ والتَّحذيرِ المُباشِر. وكُلُّ «كَلّا» في السّورَةِ تَنقُلُ المَوقِفَ إلى دَرَجَةٍ أَشَدّ: الأُولى تَكشِف، والثّانِيَةُ تُهَدِّد، والثّالِثَةُ سَتَأمُر.

وحَرفُ «كَلّا» في العَرَبيَّةِ كالضَّربَةِ على المَوضِع، يوقِفُ المُخاطَبَ ولا يَدَعُه يَستَكمِلُ ما في فِكرَتِه، وقَد جاءَ بِه الكِتابُ هُنا لِيوقِفَ المُتَخَيِّلَ المُكَذِّبَ في طَريقِه، ومَعناه: لا تَستَمِرّ.

«لَئِن لَم يَنتَهِ»: الانتِهاءُ بِالنَّفس

والفِعلُ «انتَهى» على الافتِعال، والافتِعالُ يَدُلُّ على الفِعلِ الذي يَفعَلُه الفاعِلُ بِنَفسِه، فالنّاهي يُطلَبُ مِنه أَن يَنتَهِيَ هو، أي أَن يَكُفَّ بِنَفسِه. والمَطلوبُ أَن يَتَوَقَّفَ مِن الدّاخِل، ولَيسَ أَن يُمنَعَ مِن الخارِج، والكَفُّ بِالاختِيارِ يُحَوِّلُ الإنذارَ إلى رَحمَة.

والتَّقابُلُ بَينَ «يَنهى» (آية 9) و«يَنتَهِ» (آية 15) لافِت، فالجِذرُ نَفسُه ن-ه-ي، غَيرَ أَنَّ الصّيغَتَينِ تَنعَكِسانِ في الفاعِل: كانَ يَنهى غَيرَه عَن فِعل، فصارَ يُطلَبُ مِنه الآنَ أَن يَنتَهِيَ هو عَن فِعلِه، وكُلُّ نَهيٍ يَأتي يَوماً ما بِانتِهاءِ النّاهي.

«لَنَسفَعاً بِالناصِيَة»: الأَخذُ من نُقطَةِ القَهر

و«السَّفعُ» مِن س-ف-ع، ويَدُلُّ على الأَخذِ بِالشِّدَّةِ والإمساكِ بِعُنف، ولَه ظِلالٌ مِن السَّوادِ والمَسحَة. والسَّفعُ في النّاصِيَةِ صورَةُ القَهرِ التّامّ، فمَن أُخِذَ بِناصِيَتِه لا حَولَ لَه. والنّاصِيَةُ في ن-ص-و مُقَدِّمَةُ الرَّأس، حَيثُ يَلتَقي الشَّعرُ بِالجَبهَة، وناصِيَةُ الإنسانِ في عُرفِ العَرَبِ مَوضِعُ شَرَفِه ومَوضِعُ ضَعفِه أَيضاً، ومَن أَمسَكَها سَيطَرَ على صاحِبِها.

والنّونُ في «لَنَسفَعَن» نونُ التَّوكيدِ الخَفيفَة، والصّيغَةُ بِنونِ الجَماعَة: لَنَسفَعَن، وعُدِلَ عَن «لَأَسفَعَن» في صيغَةِ المُفرَدِ إلى «لَنَسفَعَن» في صيغَةِ الجَماعَة، وكَأَنَّ الأَخذَ يَأتي بِأَيدٍ كَثيرَة. وسيَأتي في الآيَةِ التّالِيَةِ وَصفُ هذه النّاصِيَة، ويُذكَرُ في الآياتِ بَعدَها أَنَّ الذينَ سيَأخُذونَ هُم الزَّبانِيَة.


حَصيلة

تَنزِلُ «كَلّا» الثّانِيَةُ في السّورَة، وكانَتِ الأُولى قَد فَصَلَت بَينَ الإخبارِ والكَشف، وهذه تَنقُلُ مِن السُّؤالِ التَّوبيخِيِّ إلى التَّهديدِ المُباشِر. و«لَئِن لَم يَنتَهِ» مِن جِذرِ «يَنهى» نَفسِه (ن-ه-ي)، فالذي كانَ يَنهى غَيرَه يُطلَبُ مِنه أَن يَنتَهِيَ هو، وصيغَةُ الافتِعالِ في «انتَهى» تَدُلُّ على الكَفِّ بِالنَّفسِ مُختاراً. و«لَنَسفَعاً» (س-ف-ع) الأَخذُ بِشِدَّةٍ وعُنف، و«بِالناصِيَة» (ن-ص-و) مُقَدِّمَةُ الرَّأسِ حَيثُ يَلتَقي الشَّعرُ بِالجَبهَة، والأَخذُ مِنها في كَلامِ العَرَبِ صورَةُ القَهرِ التّامّ. والتَّقابُلُ في الجِذرِ مَقصود، فمَن كانَ يَنهى صارَ هو الذي يُنهى، والآيَةُ التّالِيَةُ سَتَصِفُ هذه النّاصِيَة، وما بَعدَها سيُسَمّي مَن سيُنَفِّذ.