العلق · الآية 13

﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ

«كَذَّب» في التَّفعيل: ادِّعاءٌ مُتَكَرِّر

وأَصلُ ك-ذ-ب الانفِصالُ بَينَ القَولِ والواقِع، فالكاذِبُ يَقولُ ما لا يُطابِقُ الواقِع. والصّيغَةُ المُجَرَّدَةُ «كَذَب» تَدُلُّ على فِعلِ الكَذِبِ مَرَّة، والصّيغَةُ المُكَثَّفَةُ «كَذَّب» تَدُلُّ على نِسبَةِ الكَذِبِ إلى الآخَر، أي أَنَّ صاحِبَها ادَّعى أَنَّ المُتَكَلِّمَ كاذِب.

والمُكَذِّبُ في القُرآنِ صِنفٌ بِعَينِه، هو مَن سَمِعَ الحَقَّ ثُمَّ ادَّعى أَنَّه كَذِب، وهذا الصِّنفُ مَذكورٌ في البَقَرَةِ كَثيراً، والمَوقِفُ مِن الحَقِّ فيها يُحَدِّدُ المَآل. والنّاهي في هذه السّورَةِ إن أَضافَ إلى نَهيِه التَّكذيبَ فقَد ضَمَّ صِنفَينِ في فِعلٍ واحِد.

«تَوَلّى» في التَّفَعُّل: الانصِرافُ المَقصود

ومادَّةُ و-ل-ي لِلقُربِ والاتِّصال، فالوَلِيُّ هو القَريب، والمَولى هو الذي يَلي، ومِنه «تَوَلّى» على التَّفَعُّل، أي أَدارَ ظَهرَه عَن الوَجهِ الذي كانَ يُلاقيه، وهو قَطعٌ في الجِهَة، لا ابتِعادٌ عابِر، فقَد كانَ يَلي الحَقَّ بِوَجهِه، فأَدارَ وَجهَه عَنه.

ومِن العَجيبِ أَنَّ الجِذرَ نَفسَه يَدُلُّ على الوِلايَةِ والقُربِ بِمَعنىً إيجابِيّ، وعلى الانصِرافِ بِمَعنىً سَلبِيّ، فالاسمُ يَحمِلُ الوَجهَين، ومَن كانَ في الوِلايَة، حينَ يَنحَرِفُ، يَنحَرِفُ عَن الوِلايَة. والصّيغَةُ في «تَوَلّى» صيغَةُ التَّفَعُّل، فقَد فَعَلَ فِعلَ التَّوَلّي بِنَفسِه واختارَ الانصِراف، ولم يَدفَعْه إلَيه أَحَد، فهو الذي تَوَلّى.

السُّلَّمُ الصاعِد: نَهيٌ ـ تَكذيبٌ ـ تَوَلّ

وتَتَتالى الأَفعالُ الثَّلاثَةُ في السّورَةِ مُتَدَرِّجَة: يَنهى (آية 9)، ثُمَّ كَذَّبَ (آية 13)، ثُمَّ تَوَلّى (آية 13)، وكُلُّ فِعلٍ مِنها أَعمَقُ مِن سابِقِه: فالنَّهيُ تَدَخُّلٌ في فِعلِ غَيرِه، والتَّكذيبُ ادِّعاءٌ في حَقِّ الحَقِّ نَفسِه، والتَّوَلّي قَطعٌ كامِلٌ لِلجِهَة.

والسُّلَّمُ يَكشِفُ بِنيَةَ الإعراض، فهو يَبدَأُ بِفِعلٍ جُزئِيٍّ على الغَيرِ (أَن يَنهاه)، ولا يَبدَأُ كامِلاً مُكتَمِلاً، ثُمَّ يَتَوَسَّعُ إلى دَعوى على الحَقِّ نَفسِه (أَن يُكَذِّبَه)، ثُمَّ يَنتَهي إلى انصِرافٍ كامِلٍ مِن جِهَةِ صاحِبِه هو (أَن يَتَوَلّى). ومَن جَمَعَ هذه الأَفعالَ الثَّلاثَةَ فقَد بَلَغَ في الإعراضِ غايَتَه.


حَصيلة

وتَأتي «أَرَأَيت» لِلمَرَّةِ الثّالِثَة، فتَنقَلِبُ الزّاوِيَة: كانَ النَّظَرُ إلى المَنهِيِّ (على الهُدى، آمِراً بِالتَّقوى)، وصارَ الآنَ إلى النّاهي نَفسِه. و«إن كَذَّبَ» (ك-ذ-ب) صيغَةُ تَفعيلٍ تَدُلُّ على ادِّعاءٍ مُتَكَرِّرٍ بِأَنَّ الحَقَّ كَذِب، فصاحِبُها فاعِلٌ يَنشُرُ الكَذِبَ على الوَحي، ولَيسَ شاكّاً. و«وَتَوَلّى» (و-ل-ي) على التَّفَعُّلِ فِعلٌ يَفعَلُه بِنَفسِه مُختاراً، أي أَدارَ ظَهرَه عَمّا كانَ يُلاقيه. وتَتَدَرَّجُ الأَفعالُ الثَّلاثَةُ في السّورَة: يَنهى (آية 9)، ثُمَّ كَذَّبَ، ثُمَّ تَوَلّى (آية 13)، فهي سُلَّمٌ صاعِدٌ في الإعراض، كُلُّ خُطوَةٍ فيه أَعمَقُ مِن سابِقَتِها. والفَرَضِيَّةُ هُنا تَفتَحُ البابَ لِما يَأتي في الآيَةِ التّالِيَة، فمَن بَلَغَ هذا يَكونُ قَد وَضَعَ نَفسَه في مَوقِفٍ يَعلَمُه الله.