العلق · الآية 7

﴿أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ

«رَآه»: الرُّؤيَةُ ضِدُّ التَّذَكُّر

يَدُلُّ ر-أ-ي على الإدراكِ بِالعَين، ثُمَّ يَتَّسِعُ إلى الإدراكِ القَلبيّ والحُكم، والرُّؤيَةُ في القُرآنِ أَكثَرُها رُؤيَةُ بَصيرَةٍ لا بَصَر. والإنسانُ هُنا «رَأى نَفسَه»، فماذا رَأى من نَفسِه؟ ما رَأى أَصلَه (عَلَقَة)، ولا رَأى مَن عَلَّمَه، ورَأى مِن نَفسِه ما يُريدُه أَن يَكون، وهو الغِنى.

والآيَةُ تَستَخدِمُ فِعلَ الرُّؤيَة («رَآه») دونَ فِعلِ الظَّنّظَنَّ نَفسَه»)، والرُّؤيَةُ أَقوى من الظَّنّ، فهي اعتِقادٌ كَأَنَّه عِيان، والإنسانُ يَتَخَيَّلُ غِناه أَمامَه كَأَنَّه يَراه، ولا يَظُنُّه ظَنّاً. ومن أَخطَرِ ما يُصيبُه أَن يَصيرَ الوَهمُ في عَينِه واقِعاً مَنظوراً.

«استَغنى»: ادِّعاءُ الغِنى وقَطعُ الصِّلَة

وأَصلُ غ-ن-ي الكِفايَةُ بِما عِندَ المَرءِ بِلا حاجَةٍ إلى غَيره، والغَنيُّ في القُرآنِ صِفَةُ الله: الغَنيُّ الحَميد، وأمّا الإنسانُ فمُحتاجٌ غَيرُ غَنيّ، فإذا ادَّعى الغِنى انتَزَعَ من نَفسِه صِفَةً ليسَت لَه ونَسَبَها إلى ذاتِه.

وَ«استَغنى» على الاستِفعالِ تَدُلُّ على طَلَبِ الغِنى، وكَأَنَّه طَلَبَ من نَفسِه أَن تَكونَ غَنيَّةً، أَو طَلَبَ من الواقِعِ أَن يُؤَكِّدَ غِناه. وفي الفِعلِ نَفسِه نِزاع، فالمَطلوبُ لا يَتَحَقَّق، غَيرَ أنَّ الطَّلَبَ ذاتَه يَكفي لِيُفسِدَ المَوقِف، ومَن طَلَبَ الاستِغناءَ قَطَعَ الصِّلَةَ ولَو ظاهِريّاً، وأَوهَمَ نَفسَه بِما لَيسَ لَه.

المَفعولُ المَطويّ: الاستِغناءُ عَمَّن

وتَترُكُ الآيَةُ مَفعولَ «استَغنى» مَطويّاً: استَغنى عَمَّن؟ والكِتابُ كَثيراً ما يَطوي ما لا يَنبَغي تَحديدُه، لِيَفتَحَ المَعنى على كُلِّ ما يَدخُلُ في الحُكم، فالإنسانُ يَستَغني عَن رَبِّه أَوّلاً، وهو أَخطَرُ الاستِغناء، ثُمَّ عَن الناصِحِ، ثُمَّ عَن العالِم، ثُمَّ عَن المُذَكِّر، وكُلُّ هذه الاستِغناءاتِ تَنطَوي تَحتَ الصيغَةِ المَطويَّة.

وفي الآيَةِ التَّاليَةِ سَيُذَكَّرُ هذا المُستَغني بِأَنَّ الرُّجعى إلى رَبِّه، فلا غِنى لَه عَنِ المَآل، ولا استِقلالَ لَه عَنِ المَنبَع، والذي رَأى نَفسَه غَنيّاً يَعودُ إلى مَن مِنه نَشَأ. والكِتابُ يَستَخدِمُ هذا التَّقابُلَ ليَكشِفَ الوَهمَ، فقد اِدَّعى الاستِقلالَ في الحَياة، وسَيَرى الإنابَةَ في الرُّجعى.


حَصيلة

«أن رَآهُ استَغنى» ثَلاثُ كَلِماتٍ تُسَمِّي سَبَبَ الطُّغيان، فالطُّغيانُ نَتيجَةُ رُؤيَةٍ خاطِئَة، وليس نَتيجَةَ شَرٍّ مُستَقِلّ. و«رَآه» (ر-أ-ي) فِعلٌ يَعودُ ضَميرُ مَفعولِه على الفاعِلِ نَفسِه، فالإنسانُ نَظَرَ إلى نَفسِه، غَيرَ أنَّ ما رَآهُ لم يَكُن صَحيحاً، و«استَغنى» (غ-ن-ي) صيغَةُ استِفعالٍ تَدُلُّ على طَلَبِ الغِنى أو ادِّعائه. والمَفعولُ مَطويّ: استَغنى عَمَّن؟ فيَنفَتِحُ على كلِّ مَن لا يَنبَغي الاستِغناءُ عَنه، رَبِّه أَوَّلاً ثُمَّ الناصِحِ والمُذَكِّر. والغِنى في القُرآنِ صِفَةٌ لله وَحدَه (الغَنيُّ الحَميد)، فَمَنِ ادَّعاها لِنَفسِه انتَزَعَ من نَفسِه ما ليسَ لَه. وهذا الادِّعاءُ لَن يَستَقِرّ، والآيَةُ التاليَةُ تُجيبُ عَنه.