العلق · الآية 9

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ

«أَرَأَيتَ»: الاستِفهامُ يَستَدعي المُشاهَدَة

والهَمزَةُ في «أَرَأَيت» استِدعاءٌ لِلنَّظَر، ولم يُرَدْ بِها الاستِفهامُ عَن خَبَر. وهذه الصّيغَةُ تَأتي في الكِتابِ في سِياقاتٍ يُطلَبُ فيها مِن المُخاطَبِ أَن يُحضِرَ المَشهَدَ في ذِهنِه: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، وهي هُنا بِعَينِها، والمَوقِفُ هو نَفسُه: شَخصٌ بَدَرَ مِنه ما لا يَنبَغي.

وتَتَكَرَّرُ الصّيغَةُ في هذه السّورَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ (في 9، 11، 13)، وتَفتَحُ كُلُّ مَرَّةٍ مَشهَداً جَديداً: في الأُولى شَخصٌ يَنهى، وفي الثّانِيَةِ سُؤالٌ عَمّا لَو كانَ المَنهِيُّ على الهُدى، وفي الثّالِثَةِ سُؤالٌ عَمّا لَو كَذَّبَ النّاهي وتَوَلّى. فهي ثَلاثَةُ مَشاهِدَ مُتَدَرِّجَة، تَتَكَشَّفُ في كُلٍّ مِنها زاوِيَةٌ جَديدَة.

«الذي يَنهى»: الفاعِلُ مَجهولاً مَعروفاً

ولم تُسَمِّ الآيَةُ مَن يَنهى، وتَرَكَتهُ مَوصولاً مُبهَماً: «الذي يَنهى»، ولم يُعَيِّنِ القُرآنُ نَفسُه أَحَداً. وفي هذا الإبهامِ بَلاغَة، إذ يَدخُلُ تَحتَه كُلُّ مَن فَعَلَ هذا الفِعل، ولا يُحَدُّ بِشَخص، فمَن نَهى عَبداً عَن صَلاتِه يَوماً ما، أَو عَن ذِكرِه، أَو عَن سَجدَتِه، داخِلٌ في حُكمِ هذه الآيات.

ومادَّةُ ن-ه-ي تَدُلُّ على المَنعِ والكَفّ، والنّاهي مَن يُريدُ أَن يوقِفَ غَيرَه عَن فِعلٍ كانَ يَفعَلُه. والنَّهيُ في ذاتِه لَيسَ شَرّاً، فالنَّهيُ عَن المُنكَرِ مِن فَرائِضِ الإيمان، غَيرَ أَنَّ مَوضوعَ النَّهيِ هُنا الصَّلاة، كَما سيَظهَرُ في الآيَةِ التّالِيَة، ومَن نَهى عَبداً عَن صَلاتِه فقَد قَلَبَ الميزان.

المُخاطَبُ في «أَرَأَيت»: واحِدٌ بِعَينِه والقارئُ مَعاً

والمُخاطَبُ في الظّاهِرِ واحِدٌ بِعَينِه، قَد رَأى مَن يَنهى عَبداً إذا صَلّى، أَو مَن حاوَلَ ذلك. غَيرَ أَنَّ السّورَةَ تُتلى بَعدَه كَما يُتلى القُرآنُ كُلُّه، فيَدخُلُ القارِئُ في مَوضِعِه، ويَلبَسُ كُلُّ مَن قَرَأَ هذه الآياتِ ثَوبَ المُخاطَب، فكَأَنَّ السُّؤالَ مُوَجَّهٌ إلَيه: أَرَأَيت أَنتَ، يا قارئ؟

ولا يُشتَرَطُ أَن يَكونَ القارِئُ قَد رَأى ناهِياً جَهرَة، فلِلنَّهيِ صُوَرٌ كَثيرَة، مِنها الضَّغطُ الاجتِماعِيّ، والازدِراءُ الخَفِيّ، والتَّكاسُلُ الذي يُلَبَّسُ بِالعُذر، وكُلُّها صُوَرُ نَهيٍ خَفِيٍّ يُمارَسُ على نَفسٍ تُريدُ أَن تُصَلّي، والآيَةُ تَستَدعي القارِئَ لِيَنظُرَ في هذه الصُّوَرِ كُلِّها.


حَصيلة

تَنتَقِلُ السّورَةُ هُنا مِن التَّعميمِ إلى المَشهَد، فـ«أَرَأَيت» (ر-أ-ي) استِدعاءٌ لِلنَّظَرِ لا طَلَبُ خَبَر، ومَعناها: تَعالَ وشاهِد بِنَفسِك، وستَتَكَرَّرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ في هذه السّورَةِ (الآيات 9، 11، 13)، تَفتَحُ في كُلِّ مَرَّةٍ زاوِيَةً أَعمَق. و«الذي يَنهى» (ن-ه-ي) مَوصولٌ أُبهِمَ قَصداً، فلَم تُعَيِّنِ الآيَةُ شَخصاً، ويَدخُلُ تَحتَه كُلُّ مَن نَهى عَبداً عَن صَلاتِه، والفِعلُ المُضارِعُ فيه يَدُلُّ على التَّكرارِ والاستِمرار. والمَنهِيُّ والمَنهِيُّ عَنه مَطوِيّانِ تَكشِفُهُما الآيَةُ التّالِيَة، وتَكتَفي هذه بِالاستِدعاء، لأَنَّ المَشهَدَ الآتِيَ يَكفي وَحدَه لِلدَّلالَةِ على ما لا يَنبَغي.