البقرة · الآية 103

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ

(أ م ن)+(و ق ي): شَرطانِ مُتَلازِمان لا واحِدٌ

«آمَنوا» من (أ م ن) = استَقَرَّ الأمانُ عِندَهُم، و«اتَّقَوا» من (و ق ي) = احتَفَظوا بِأَنفُسِهِم في مَوضِعِ الوِقاية. أُؤَكِّدُ أنَّ الآيَةَ تَجمَعُ بَينَهُما لا صُدفَةً: الأَوَّلُ سُكونٌ داخِليّ، والثَّاني ضَبطٌ سُلوكيّ. وبِغَيرِ سُكونٍ لا يَصمُدُ ضَبط، وبِغَيرِ ضَبطٍ يَنفَلِتُ السُّكونُ إلى وَهم. فَالشَّرطانِ مَعاً يَصنَعانِ مَوضِعاً تَصِلُ إلَيهِ المَثوبَة.

«مَثوبَةٌ من عِندِ اللَّه خَير»: مُقارَنَةُ صَفقَتَين

«مَثوبَة» من (ث و ب) = عَودَةٌ وتَمَكُّن، فالثَّوبُ يَعودُ إلى اللُّحمَةِ وتَستَقِرُّ الحاكَةُ عَلى الجِسم. «من عِندِ اللَّه» تُحَدِّدُ مَصدَرَ العائد. و«خَير» تَفضيلٌ مَعَ قابِلٍ مَضمَر: خَيرٌ مِمّا اشتَروا بِه أنفُسَهُم. فَالآيَةُ لا تَتَحَدَّثُ في الفَراغ، بَل تُقابِلُ صَفقَةَ الآيَةِ السابِقَةِ: نَفسٌ بِيعَت بِمادَّةٍ ضارَّة، في مُقابِلِ مَوقِعٍ يَستَقبِلُ عَودَةً من المَصدَر. المُقايَضَةُ مَفهومَة: أيُّ النَّفَسَين تُفَضِّل أن تَكون؟

«لَو كانوا يَعلَمون»: شَكوى في الاستِقرار لا في المَعرِفَة

قَد يَظُنُّ القارِئُ أنَّ «لَو كانوا يَعلَمون» تُنبِّهُ إلى جَهلِهِم. غَيرَ أنَّ الآيَةَ السابِقَةَ قَد قالَت صَراحَةً وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. فَالتَّعبيرُ هُنا يَحمِلُ مَعنى العِلمِ الذي يَستَقِرُّ، لا العِلمِ الذي يَمُرُّ بِالذِّهن. العِلمُ المُستَقِرُّ هُوَ الذي يَتَحوَّلُ إلى فِعل، لأنَّه صارَ جُزءاً من مَوقِعِ الشَّخصِ لا مُجَرَّد مَعلومَةٍ عَلى سَطحِ الذّاكِرَة. فَالشَّكوى في نَوعِ العِلمِ، لا في وُجودِه.

فَالإيمانُ والتَّقوى شَرطٌ مَكانيٌّ لِاستِقبالِ العائدِ من المَصدَر، والمَثوبَةُ مُقارَنَةٌ مُباشِرَةٌ لِصَفقَةِ بَيعِ النَّفس، و«لَو كانوا يَعلَمون» شَكوى في استِقرارِ العِلمِ لا في إحضارِه.


حَصيلة

تَأتي الآيةُ بَعدَ صَفقَةِ السِّحرِ الطَّويلَةِ كَسراً في الإيقاعِ لا تَسلِيَةً: هِيَ الوَجهُ الآخَرُ لِلصَّفقَةِ ذاتِها. يَقِفُ الجَذرُ (أ-م-ن) شَرطاً أَوَّلَ: سُكونٌ داخِليٌّ يَتَجَمَّعُ حَولَ مَركَزِ الأَمانِ ويَستَقِرُّ فيه، لا تَصديقٌ لَفظيٌّ يَمُرُّ في الذِّهنِ دونَ أن يُستَوطَن. ويَأتي الجَذرُ (و-ق-ي) شَرطاً ثانياً مُلازِمًا: وَصلٌ عَميقٌ بِقاعِدَةٍ راسِخَةٍ يَمتَدُّ في الزَّمان، وبِغَيرِ هَذَينِ الشَّرطَينِ مَعاً لا يَستَقِرُّ مَوضِعٌ يَصِلُه العائدُ. وصيغةُ العائدِ نَفسِها دالَّة: «مَثوبَة» من الجَذرِ (ث-و-ب)، أي عَودَةٌ تَبرُزُ في مَوضِعِ الظُّهور، كَعَودَةِ الثَّوبِ إلى صاحِبِه في صورَةٍ أَكمَل. وإضافَةُ «من عِندِ اللهِ» تُعيدُ القارِئَ إلى المَصدَرِ ذاتِهِ الذي يَحكُمُ الآيَةَ السّابِقَةَ بِـ«إلّا بِإذنِ الله»: الإذنُ هناكَ يَضبُطُ الضَّرَر، والعَطاءُ هُنا يَصدُرُ من نَفسِ الجِهَة. والجُملَةُ الخاتِمَةُ «لَو كانوا يَعلَمون» لا تَشكو من غِيابِ مَعرِفَةٍ، فالآيةُ السّابِقَةُ أَكَّدَت «وَلَقَد عَلِموا»؛ ما كانَ ناقِصاً هُوَ العِلمُ الذي يَستَقِرُّ في المَوضِعِ حَتّى يُحَوِّلَ صاحِبَهُ لا العِلمُ الذي يَعبُرُ الذِّهنَ ثُمَّ يَتَبَخَّر.