آل عمران · الآية 32

﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ

«أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ»: الحُبُّ السابِقُ يَصيرُ طاعة

والطاعةُ من ط-و-ع: انبِساطٌ يَنقادُ فيَجري مَعَ غَيرِه في مَسلَكٍ مَحدود، فهي لِينٌ يَنقادُ بِه صاحِبُه لا حَرَكةُ جَسَدٍ فارِغة. وعَطفُ الرسولِ على اسمِ اللهِ يَصِلُ المَصدَرَ بما أَرسَلَه من بَيان.

«وَالرَّسُولَ»: الرِّسالةُ مَجرى الوُصول

والرسولُ من ر-س-ل، وهو جَريانٌ يَمتَدُّ ثمَّ يَتَعَلَّقُ بمَقصِدِه، فالرسولُ حامِلُ مَجرىً من المُرسِلِ إلى المُتَلَقّي. ولذلك يَقومُ الاتِّباعُ في الآيةِ السابقةِ على رسالةٍ تَصِلُ الطاعةَ بالله، وليس على شَخصٍ مَعزولٍ عن المَصدَر.

«فَإِن تَوَلَّوْا...»: حَرَكةُ الوَجهِ تَكشِفُ التَّغطية

والتَّولّي من و-ل-ي يَأخُذُ صِلةَ القُربِ ثمَّ يُديرُها بعيداً. وجَوابُه «فإن الله لا يحب الكافرين» يَصِفُ مَوقِعَ التَّغطيةِ الذي اختارَه الفِعل، ولا يُثبِّتُ التَّولّي فيه هُويّةً أَبديّة. ومَن أَدارَ الوَجهَ عن مَجرى الرسالةِ قَطَعَ الطَّريقَ الذي طَلَبَ به حُبَّ الله.

طاعةٌ واحِدةٌ تَصِلُ المَصدَرَ بالمَجرى

ويَحمِلُ الأمرُ الواحدُ اسمَ اللهِ والرَّسولَ معاً، فلا يُنشِئُ مَسارَينِ مُنفَصِلَينِ يَختارُ المُطيعُ بينَهما: المَصدَرُ يُرسِل، والرَّسولُ يَحمِلُ ما أُرسِل، والطاعةُ تَعبُرُ هذا الاتِّصالَ من غيرِ أن تَحبِسَ المَجرى في حامِلِه أو تَطلُبَ المَصدَرَ معَ قَطعِ ما أَرسَلَه. ولذلك يَأتي التَّولّي بعدَ الاسمينِ معاً، فهو إدارةٌ للوَجهِ عن الصِّلةِ بكامِلِها.

وتَكشِفُ الخاتِمةُ ما يَحدُثُ للحُبِّ حينَ يَنفَصِلُ عن الطاعة، فقد كانت الآيةُ السابقةُ تَفتَحُ مَحبّةَ اللهِ جواباً للاتِّباع، وهنا يُنفى الحُبُّ عندَ التَّولّي والتَّغطية. والمَسافةُ بينَ الجُملتَينِ تَغيُّرٌ في حَرَكةِ مَن يَطلُب، وليست تَغيُّراً في مَحبوبٍ يُطلَب: وَجهٌ يَتَّبِعُ فيَتَّصِل، أو وَجهٌ يَتَولّى فيَقطَعُ المَجرى الذي كانَ يَحمِلُه إلى القُرب.

والتَّولّي لا يَترُكُ صاحِبَه في مَوضِعِ الحِياد، فإدارةُ الوَجهِ عن المَجرى تَكشِفُ غِطاءً يَقومُ بينَ الإنسانِ وما دُعيَ إليه. ولذلك تَنتَقِلُ الخاتِمةُ من فِعلِ التَّولّي إلى اسمِ «الكافرين»، فالقَطعُ إذا استَقَرَّ صارَ حالاً تُعرَفُ به الوِجهة. وأمّا الطاعةُ فتَحفَظُ الباطِنَ مَفتوحاً لِيَظهَرَ في فِعلٍ مُتَّصِل.


حَصيلة

يَنتَقِلُ المَقطعُ من مَحبّةٍ تُدَّعى إلى طاعةٍ تَخرُجُ من الباطِن، ومن اتِّباعِ الرسولِ إلى فَهمِه مَجرىً للرسالة، ثمَّ يَضعُ التَّولّي في الطَّرَفِ المقابِل، فإدارةُ الوَجهِ تُحوِّلُ القُربَ إلى بُعد، والتَّغطيةُ تَقطَعُ صِلةَ الحُبِّ التي فَتَحَها الاتِّباع.