القارعة · الآية 7

﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ

«عيشَة»: الحَياةُ بصيغَةِ المَرَّة

الجذرُ ع-ي-ش يَدورُ على الحَياةِ المَستَدامَةِ بإِرواءٍ ما. وعَيشُ الإنسانِ هو ما يَتَعَيَّشُ به: طَعامُه وشَرابُه ومَأواه. والعِيشَةُ صيغَةُ المَرَّةِ: حَياةٌ بهَيئَتِها الخاصَّة، حَياةٌ مُحَدَّدَةٌ بطابَعٍ يَخُصُّها.

والكتابُ يَختارُ «عيشَة» لا «حَياة»، لأنّ الحَياةَ كَلِمَةٌ عامَّةٌ مُجَرَّدَة. أمّا العيشَةُ فهَيئَةٌ مَرَّت في الذِّهنِ بطَعمٍ وصورَة. كلُّ مَن قالَ في الدُّنيا «أَعيشُ عيشَةً هَنيئَة» كانَ يَعنِي حَياةً ذاتَ نَكهَةٍ يَستَحضِرُها. والآيَةُ تَقولُ: لكَ عيشَةٌ راضيَة. ليس مُجَرَّدُ حَياة، بل هَيئَةُ حَياةٍ بطَعمٍ مُسَمّى.

«راضيَة»: الحَياةُ التي رَضِيَت بنَفسِها

الجذرُ ر-ض-ي في العَرَبيَّةِ هو جَذرُ الاستِقرارِ على القَبول. الرِّضا ليس قَبولاً عابِراً، بل قَبولٌ يَستَقِرُّ ويَصيرُ حالَة. تَقولُ العَرَبُ: «رَضِيَ بِكَذا» إذا انعَقَدَ قَلبُه عَلَيهِ فلا يَطلُبُ بَدَلَه. والرِّضا في القرآنِ مَوضوعٌ مُتَبادَل: رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.

والصيغَةُ هنا «راضيَة» اسمُ فاعِلٍ. والاسمُ يَنسِبُ الفِعلَ إلى المَوصوف: «العيشَةُ راضيَة» = العيشَةُ هي الفاعِلَةُ للرِّضا. تَكَلَّمَ النَّحويّونَ في وَجهِ هذا الإسناد: قِيلَ هو إسنادٌ مَجازيٌّ بمَعنى «مَرضيَّة» (التي يَرضى بها العائِشُ). وقِيلَ هو على ظاهِرِه: العيشَةُ نَفسُها راضيَة، أي بَلَغَت من السَّعَةِ والإرواءِ أن تَكونَ هي راضيَةً عن نَفسِها لا تَطلُبُ زيادَة.

والمَعنى الأَخيرُ أَدَقُّ في تَصَوُّرِ الجَنَّة. كلُّ حَياةٍ في الدُّنيا تَطلُبُ تَتميماً: ناقِصَةٌ تَطلُبُ كَمالَها، فيَصرِفُ صاحِبُها فيها جُهدَهُ ليَرضى بها. الحَياةُ في الجَنَّةِ على غَيرِ ذلك: تامَّةٌ في ذاتِها، فهي راضيَةٌ بنَفسِها. لا تَنقُصُ شَيئاً يَطلُبُه ساكِنُها، ولا تَزيدُ شَيئاً يَستَكثِرُه.

الفاءُ في «فهو»: التَّفريعُ بَعدَ الثِّقَل

«فهو» في الآيَةِ تَتَبَّعَت «ثَقُلَت». الفاءُ فاءُ التَّفريع: من ثَقُلَت مَوازينُه، فالتَّفريعُ علَيهِ أن يَكونَ في عيشَةٍ راضيَة. لا فَجوَةَ بَين الميزانِ والعَيش. الميزانُ في كَفَّتِه يَومَ القارِعَة هو نَفسُه الذي يَنبَنِي عَلَيه شَكلُ حَياتِه التي تَلي.

وفي الفاءِ هذه إنصافٌ خَفِيّ: مَن صَرَفَ عُمرَه يُثقِلُ مَوازينَه بأَفعالٍ صَغيرَةٍ صادِقَة، يَستَحِقُّ عيشَةً راضيَةً تَنبَعِثُ من نَفسِها لا يَحتاجُ هو ليُحوِّرَها. ما بَناهُ من ثِقَلٍ في الدُّنيا يَنقَلِبُ في الآخِرَةِ خِفَّةً مَوصولَةً برِضا. وفي الفاتِحَةِ نَفسِها قِيلَ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. هؤلاء الذين أَنعَمَ عَلَيهم هم الذين تَنبَعِثُ عَلَيهم العيشَةُ الراضيَة. الفاتِحَةُ تُعَيِّنُهم؛ القارِعَةُ تُريهم.


حَصيلة

الجَوابُ يَأتي مَوجَزاً. مَن ثَقُلَت مَوازينُه فَهو في عيشَةٍ راضيَة. لا وَصفٌ لِلنَّعيمِ بِصُوَرِه، لا قُصورٌ وَلا أَنهار. كَلِمَتانِ تَكفيان. وَلِذَلكَ بَلاغَةٌ: ما هو أَكبَرُ مِن أَن يُحاطَ بِه بالوَصفِ لا يُوصَفُ تَفصيلاً، يُشارُ إلَيه بِاسمٍ يَجمَعُ.

وَ«العِيشَة» مِن جِذرِ (ع-ي-ش) صيغَةُ المَرَّة: لَيسَ حَياةً مُجَرَّدَة، بَل هَيئَةُ حَياةٍ بِطَعمٍ مُسَمَّى وَطابَعٍ خاصّ. وَجِذرُ (ر-ض-ي) يَدورُ على الاستِقرارِ على القَبول: «رَضِيَ بِكَذا» إذا انعَقَدَ قَلبُه عَلَيهِ فَلا يَطلُبُ بَدَلَه. وَ«راضيَة» اسمُ فاعِلٍ يَنسُبُ الرِّضا إلى العِيشَةِ نَفسِها: الحَياةُ هي الفاعِلَةُ لِلرِّضا. لَيسَ المَعنى «في عيشَةٍ يَرضى بِها»، بَل في عيشَةٍ هي راضيَة. تامَّةٌ في ذاتِها، لا تَنقُصُ شَيئاً يَطلُبُه ساكِنُها.

وَالمُقابَلَةُ مَعَ الدُّنيا واضِحَة. في الدُّنيا يَطلُبُ الإنسانُ شَيئاً يَرضى بِه، فَيَأتيه ثُمَّ يَملُّه. الحَياةُ الدُّنيا غَيرُ راضيَةٍ بِنَفسِها، تَطلُبُ تَتميماً لا يَأتي. وَالقُرآنُ يَجمَعُ الرِّضا المُتَبادَلَ في مَوضِعٍ آخَر: رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. والعيشَةُ الراضيَةُ انعِكاسٌ لِهذا الرِّضا المُتَبادَل في نَسيجِ الحَياةِ ذاتِها.