القارعة · الآية 8

﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ

«وأَمّا»: الصِّنفُ الثاني، لا مَنزِلَةٌ بَينَهُما

تَفرُزُ السورةُ الناسَ بحَدٍّ قاطِع، ولا يُذكَرُ في القارِعَةِ صِنفٌ ثالِث، فلا أَصحابُ يَمينٍ ولا أَصحابُ شِمال، وهما ميزانانِ لا أَكثَر: ثَقيلٌ وخَفيف. وهذه طَريقَةُ السورةِ القَصيرَة، تَختَزِلُ الكَونَ في حُكمَين ليُحَسَّ التَّمييزُ بحِدَّة.

والواوُ في «وأَمّا» تَتبَعُ «فأَمّا» في الآيةِ السابِقَة، وتَفصيلُ «أَمّا» لا يَكتَمِلُ إلّا بقَسيمَين، فالقَسيمُ الثاني لازِمٌ نَحوِيّاً. غَيرَ أنَّ النَّصَّ يَستَخدِمُ هذا اللُّزومَ النَّحوِيَّ لتَبيانٍ مَعنَوِيّ، فتَصَوُّرُ الجَنَّةِ لا يَكتَمِلُ إلّا بتَصَوُّرِ ما يُقابِلُها، ومَن أَرادَ أن يَفهَمَ ثِقَلَ مَوازينِ المُحسِنين فسَبيلُه النَّظَرُ إلى خِفَّةِ مَوازينِ مَن لم يُحسِن.

«خَفَّت»: الخِفَّةُ في كَفَّةِ الميزان

وأَصلُ خ-ف-ف نُقصانُ الكَثافَةِ وانتِشارُها. تَقولُ العَرَبُ: «خَفَّ الشَّيءُ» إذا قَلَّ وَزنُه، و«خَفَّ القَومُ» إذا فَرَّقَتهُم سُرعَةُ الحَركَة. وخِفَّةُ الكَفَّةِ في الميزانِ خاصَّةً ارتِفاعُها صُعَداً، لأنَّ الكَفَّةَ الخَفيفَةَ تَرتَفِعُ بفِعلِ الكَفَّةِ الثَّقيلَةِ في الجِهَةِ المُقابِلَة.

وهذا تَفصيلٌ يَضيعُ في التَّرجَمَة، فالقيمَةُ في الميزانِ تُحَدَّدُ بالنُّزول، والكَفَّةُ التي تَنزِلُ هي التي تَحمِلُ، والتي تَرتَفِعُ هي الفارِغَة. والإنسانُ في الدُّنيا يُحِبُّ أن يَرى نَفسَه «مُرتَفِعَ القَدر»، ويَومَ القارِعَةِ يُكشَفُ أنَّ ارتِفاعَ كَفَّتِه ارتِفاعُ خَواء.

وفي البَقَرَة، حين يَصِفُ النَّصُّ مَن أَنفَقَ مالَه رِئاءَ الناس، يُمَثِّلُ نِفاقَه بصَفوانٍ علَيه تُرابٌ يُصيبُه وابِلٌ فَيَترُكُه صَلداً: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾. والتُّرابُ في صورَتِه يَملأُ كَفَّةَ الميزانِ، فإذا جاءَ المَطَرُ كَشَفَ أنَّ الكَفَّةَ صَلدَة، وتِلكَ هي الخِفَّةُ بِعَينِها: عَمَلٌ يَملأُ في الظاهِرِ ثُمَّ يَنكَشِفُ خَواءُ ما تَحتَه يَومَ القارِعَة.

«مَوازينُه»: نَفسُ الجَمعِ، نَفسُ التَّعَدُّدِ

ويَعودُ الجَمعُ في «مَوازينُه» هنا كما عادَ في الآيةِ السادِسَة، فالذي خَفَّت مَوازينُه مَن خَفَّت مَوازينُه كلُّها، وهو غَيرُ مَن لَهُ ميزانٌ واحِدٌ خَفيف. والجَمعُ يَكشِفُ شِدَّةَ الإفلاس، فهو في كلِّ ميزان، وليسَ في ميزانٍ واحِدٍ وَحدَه.

وهذا أَهَمُّ ما فيه، فالإنسانُ قد يَنجَحُ في ميزانٍ ويَفشَلُ في آخَر، فتَتَوازَنُ حالُه، أمّا مَن خَفَّت كلُّ مَوازينِه فقد سَقَطَ في كلِّ مَوقِفٍ من مَواقِفِه، وخِفَّتُه شامِلَةٌ في كلِّ مَيدان، ولا ميزانَ واحِدٌ لَه يَستَقِلُّ بحَسَنَةٍ تَلوح.


حَصيلة

الواوُ في «وأَمّا» قَسيمُ «فأَمّا» في الآيَةِ السادِسَة، والفِرزَةُ لا تَكتَمِلُ إلّا بِقَسيمَين، ولا تَترُكُ السورَةُ مَنزِلَةً ثالِثَة، فالمَوازينُ ثَقيلَةٌ أَو خَفيفَة، ومَن لَم يَكُن في الأُولى فَهو في الثانيَة. وَهذا الحَدُّ القاطِعُ جُزءٌ مِن بَلاغَةِ السورَةِ القَصيرَة، فالاختِزالُ يُحَسِّسُ بِالفَرقِ أَكثَرَ مِمّا يُحَسِّسُ بِه التَّدَرُّج.

وَجِذرُ (خ-ف-ف) يَدورُ على نُقصانِ الكَثافَة، وَالكَفَّةُ الخَفيفَةُ في الميزانِ تَحديداً هي التي تَرتَفِع، لِأَنَّ الكَفَّةَ الثَّقيلَةَ في الجِهَةِ المُقابِلَةِ تَسحَبُها لِأَسفَل. والإنسانُ في الدُّنيا يُريدُ «ارتِفاعَ القَدر»، والارتِفاعُ في الميزانِ خِفَّةٌ وَخَواء. وَالخِفَّةُ هُنا غَيرُ خِفَّةِ الفَراشِ في الرابِعَة، فتِلكَ خِفَّةُ هَلَعٍ بِلا وَجهَة، وَهذه خِفَّةُ ميزانٍ فارِغ.

وَتَصِفُ البَقَرَةُ صورَةَ العَمَلِ الفارِغِ بِدِقَّة: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾، فهو تُرابٌ يَملأُ في الظَّاهِر، فَإِذا نَزَلَ المَطَرُ كَشَفَ الصَّلدَ تَحتَه. وهذا هو العَمَلُ الذي يَخِفُّ ميزانُه في يَومِ القارِعَة، ضَجيجٌ مَلأَ الظَّاهِر، فَإِذا وُضِعَ في الكَفَّةِ لم يَكُن لَه وَزن.