القارعة · الآية 6

﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ

«فأَمّا»: فاءُ التَّفصيلِ بَينَ مَصيرَين

«أَمّا» في العَرَبيَّةِ حَرفُ تَفصيلٍ بَينَ شَيئَين، ولا يَجوزُ مَجيءُ «أَمّا» إلّا ويَتبَعُها قَسيمٌ آخَرُ يُفصِلُ بـ«وأَمّا»، وقد جاءَ التَّفصيلُ مُكتَمِلاً في الآيتين: فأَمّا مَن ثَقُلَت... وأَمّا مَن خَفَّت. والقارِعَةُ تَفرِزُ الناسَ فِرزَتَين، لا أَكثَر، ولا مَنازِلَ مُتَدَرِّجَةَ في صورَةِ هذه السورة، فهُما قِسمانِ حادّان: ثِقَلٌ وخِفّ.

وفي الفاءِ من «فأَمّا» تَفريعٌ على ما قَبلَها، فبَعدَ أن صارَ الناسُ كالفَراشِ والجِبالُ كالعِهن، يَنفَرِزُ هذا الفَراشُ المُنبَثُّ إلى صِنفَين، والإنسانُ الذي رَأى نَفسَه قَبلَ قَليلٍ في صورَةِ فَراشَةٍ يَجِدُ نَفسَه الآنَ بَينَ كَفَّتَي ميزان، والفَراشَةُ نَفسُها تُوزَن.

«ثَقُلَت»: الثِّقَلُ في يَومِ الخِفَّة

والجذرُ ث-ق-ل في العَرَبيَّةِ يَدورُ على ما يَنزِلُ بوَزنِه نُزولاً يَستَلزِمُ جَهداً لرَفعِه، تَقولُ العَرَبُ: «ثَقُلَ على الأَرض» إذا اطمَأَنَّ علَيها بكامِلِ وَزنِه، ولذلك جاءَ في القرآنِ في وَصفِ التَّكاليف: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾، والقَولُ الثَّقيلُ ما لا يُحمَلُ بخِفَّة.

والثِّقَلُ في هذه الآيَةِ صِفَةٌ مَحمودَة، خِلافاً للظَّنِّ الأَوَّل: فالإنسانُ يُحِبُّ في الدُّنيا خِفَّةَ الحِملِ على ظَهرِه، ويُحِبُّ في الآخرَةِ ثِقَلَ الحِملِ في كَفَّةِ ميزانِه، وما يُثقِلُ في كَفَّةِ الميزانِ يُخَفِّفُ على صاحِبِه يَومَ القارِعَة. والعَكسُ كذلك: ما يَستَخِفُّ به الإنسانُ في الدُّنيا، إن كانَ ذا قيمةٍ في الميزان، أَثقَلَ كَفَّتَه يَومَ يُحتاج.

«مَوازينُه»: لِكلٍّ مَوازين، لا ميزانٌ واحِد

والجَمعُ في «مَوازينُه» مَقصود، فقد عُدِلَ عن «ثَقُلَ ميزانُه» إلى «ثَقُلَت مَوازينُه». والمَوازينُ المُتَعَدِّدَةُ تَنفَتِحُ على قِراءَتَينِ لا تَتَنافَيان: فقد تَكونُ مَوازينَ مُتَعَدِّدَةً بحَسَبِ نَوعِ العَمَل (ميزانٌ للصَّلاة، ميزانٌ للصَّدَقة، ميزانٌ للنِّيَّة، ميزانٌ للصِّلَة)، وقد تَكونُ مَوازينَ بحَسَبِ السَّنَواتِ والمَواقِف (لكلِّ مَرحَلَةٍ من العُمرِ ميزانُها).

والقِراءَتانِ تَلتَقيانِ في مَعنىً واحِد، وهو أنَّ الإنسانَ لا يُختَصَرُ في حُكمٍ واحِد، كأنّ الكتابَ يَأبى أن يُقَدِّمَ صورَةً تَختَزِلُ شَخصاً في رَقمٍ واحِد، والمَوازينُ مُتَعَدِّدَة، والثِّقَلُ يَأتي من تَعَدُّدٍ يَتَّفِقُ على ثِقَل.

والبَقَرَةُ تَستَعمِلُ صورَةً قَريبَةً في إثباتِ هذا الحِسابِ بِغَيرِ لَفظِ الميزان: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، والحِسابُ سَريعٌ، غَيرَ أنَّه دَقيق، لا يُختَصَرُ فيه عَمَلٌ في عَمَل، ولا يُغلِبُ فيه يَومٌ يَوماً، وكلُّ ميزانٍ يَستَقِلُّ في كَفَّتَيهِ بما يَخُصُّه.


حَصيلة

بَعدَ المَشهَدِ الكَونيِّ يَنتَقِلُ الكتابُ إلى مَوقِفِ الفَرد، والفاءُ في «فأَمّا» تَتَفَرَّعُ على ما سَبَق: الناسُ الذين رَأَيناهم كالفَراشِ المَبثوثِ يَنفَرِزونَ الآنَ إلى قِسمَينِ حادَّين، ولا مَنزِلَةَ ثالِثَةَ في هذه السّورَة: مَوازينُ ثَقيلَةٌ أَو خَفيفَة. وتُبَيِّنُ الفاءُ أَنَّ الفِرزَةَ تَفريعٌ طَبيعيٌّ على ما سَبَقَ مِنَ العَمَل، وليسَت تَحَكُّماً.

وفي الصّيغَةِ ما يَلفِت: «ثَقُلَت مَوازينُه» بِالجَمع، دونَ «ثَقُلَ ميزانُه»، والمَوازينُ مُتَعَدِّدَة: لِكُلِّ عَمَلٍ ميزانُه، ولِكُلِّ مَوقِفٍ ميزانُه، وَالإنسانُ لا يُختَصَرُ في رَقمٍ واحِد. وَجِذرُ (ث-ق-ل) يَدورُ على ما يَنزِلُ بِوَزنِه نُزولاً يَستَلزِمُ جَهداً لِرَفعِه. والجَبَلُ الذي كانَ ثَقيلاً قَبلَ اللَّحظَةِ يَصيرُ عِهناً، وَالإنسانُ الذي مَلَأَ مَوازينَه بِأَعمالٍ صادِقَةٍ تَثقُل، والكَونُ يَنقَلِب: ما كانَ ثَقيلاً ظاهِراً يَخِفّ، وَما كانَ خَفيفاً باطِناً يَثقُل.

وَالبَقَرَةُ تَصِفُ الحِسابَ بِوَصفٍ يُلائِمُ هذه الصّورَة: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، و«سَريع» فيه بِمَعنى الدَّقيقِ الذي لا يُغلِبُ فيه يَومٌ يَوماً، ولا يَعني المُتَساهِل، وكُلُّ ميزانٍ يَستَقِلُّ بِما يَخُصُّه. وَما قالَتهُ الفاتِحَةُ في وَصفِ المُنعَمِ عَلَيهم تُحَقِّقُه القارِعَةُ في مَشهَد: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، فهذا صِراطُهم يُرى في الميزانِ ثَقيلاً.