النبأ · الآية 13

﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا

«وَجَعَلْنَا سِرَاجًا»: مَفعولٌ واحِدٌ نَكِرةٌ بَعدَ مَفعولَين

عادَ الفِعلُ إلى «جَعَلْنا» بَعدَ «بَنَينا»، ولَكِنَّه لم يَعُدْ كما كان. في الآياتِ السّابِقةِ مَفعولانِ: مَحَلٌّ مَعروفٌ ووَظيفةٌ توضَعُ فيه. وهُنا مَفعولٌ واحِدٌ لا غَير.

وهو مَعَ ذلك نَكِرة. اللَّيلُ عُرِّفَ والنَّهارُ عُرِّف، لِأنَّ السّامِعَ يَعرِفُهُما فيُشارُ إليهِما بِالتَّعريف. وجاءَ هذا مُنَكَّراً: «سِراجاً»، فلَم يُقَلْ لِلسّامِعِ ما هو، بَل قيلَ لَه ما يَعمَل.

«سِرَاجًا»: اسمٌ لا يُقالُ إلّا وفي الكَلامِ بَيت

س-ر-ج جَريانٌ مُتَتابِعٌ يَنبَثِقُ فيَبرُزُ ويَنكَشِف. والسِّراجُ ما يُوقَدُ فيَخرُجُ عنه الضَّوءُ مُتَّصِلاً فيَظهَرُ بِه ما حَولَه.

والاسمُ نَفسُه يَجُرُّ مَعه مَوضِعاً. لا يُسَمّى الشَّيءُ سِراجاً إلّا بِالنِّسبةِ إلى مَكانٍ يُضيئُه؛ فالسِّراجُ في الفَلاةِ لَغوٌ، وفي البَيتِ مَنفَعة. وقد سَبَقَت الآيةُ التي بَنَت فَوقَهُم سَقفاً، فجاءَ الاسمُ في مَوضِعِه: مُعَلَّقٌ تَحتَ ما بُنِيَ فَوقَ رُؤوسِهِم.

«وَهَّاجًا»: ما في الجَوفِ لا يَبقى في الجَوف

و-ه-ج احتِواءٌ يُفرِغُ ما في جَوفِه فيَنبَثِقُ بارِزاً. فالوَهَجُ لَيسَ لَمَعاناً على السَّطح، بَل خُروجُ ما في الباطِنِ إلى الظّاهِرِ بِلا إمساك.

و«وَهّاج» على وَزنِ فَعّال، وهو بِناءُ ما لَزِمَه الفِعلُ فلا يُفارِقُه. فلا يُقالُ إنَّه أضاءَ مَرّةً، بَل إنَّ الإخراجَ صِفَتُه الدّائِمة. وهذه أوَّلُ فاصِلةٍ في هذه الآياتِ تَجيءُ على المُبالَغة، وتَليها أُختُها في الآيةِ بَعدَها: تَغَيَّرَتِ الفاصِلةُ حينَ تَغَيَّرَ المَذكور، فالأسماءُ الأُولى لِما يَستَقِرّ، والصِّيَغُ هذه لِما يَعمَلُ ولا يَكُفّ.


حَصيلة

يَرجِعُ الفِعلُ إلى «جَعَلْنا» ويَتَغَيَّرُ بِناؤُه: مَفعولٌ واحِدٌ نَكِرةٌ بَعدَ مَفعولَينِ ومَعرِفة. فلا مَحَلَّ يوضَعُ فيه هُنا، إنَّما مَصنوعٌ يُذكَرُ بِعَمَلِه. وسُمِّيَ «سِراجاً»، والاسمُ يَقتَضي بَيتاً يُضاء، وقد بُنِيَ السَّقفُ في الآيةِ قَبلَها. ثُمَّ وُصِفَ بِـ«وَهّاج»: احتِواءٌ يُفرِغُ جَوفَه فيَبرُزُ ما فيه، على بِناءٍ يُلزِمُه الفِعلَ فلا يَنفَكُّ عنه. سَقفٌ مَشدودٌ فَوقَك، وتَحتَه مِصباحٌ لا يَكُفُّ عن إخراجِ ما في جَوفِه.