النبأ · الآية 14

﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا

«وَأَنزَلْنَا»: الفِعلُ الثّالِث، ووُصولٌ لا سُقوط

وفي هذه القائِمةِ مُنذُ آيةِ «نَومَكُم» ثَلاثةُ أفعال: جَعَلْنا، وبَنَينا، وأنزَلْنا، ولِكُلِّ فِعلٍ عَمَلُه: وَضعٌ في مَحَلٍّ قائِم، ورَفعٌ من أجزاء، وإيصالٌ من عُلوٍّ إلى سُفل.

ون-ز-ل انبِعاثٌ يَنفُذُ حادّاً ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِمَحَلِّه ويَحوزُه، فالنُّزولُ في الجِذرِ وُصولٌ يَنتَهي إلى مَوضِعٍ يَلزَمُه، ولَيسَ هُوِيّاً بِلا وِجهة. و«أنزَلْنا» على وَزنِ أفعَل، والهَمزةُ تَنقُلُ الفِعلَ إلى غَيرِ النّازِل، فالماءُ يُهبَطُ بِه ولا يَهبِطُ بِنَفسِه.

«مِنَ الْمُعْصِرَاتِ»: وَصفٌ بِالفِعلِ، والمَوصوفُ مَسكوتٌ عنه

وهذه ثاني مَرَّةٍ في ثَلاثِ آياتٍ يوصَفُ فيها الشَّيءُ ولا يُسَمّى: فهُناكَ عَدَدٌ ووَصفٌ بِلا مَعدود، وهُنا اسمُ فاعِلٍ بِلا مَوصوف. و«المُعصِرات» جَمعٌ مُؤَنَّثٌ مُعَرَّف، وهو اسمُ فاعِلٍ من «أعصَرَ»، والمُرادُ بِه اللّاتي بَلَغنَ العَصرَ أو أخَذنَ فيه.

وع-ص-ر قَبضٌ يَلتَحِمُ بِإطباقٍ صُلبٍ يُمسِك، ثُمَّ يَجري فيَخرُجُ ما كانَ مُمسَكاً، فالعَصرُ إخراجُ ما في الجَوفِ بِالضَّغطِ عَلَيه، وهو غَيرُ الصَّبِّ من إناءٍ مَفتوح. وقد سُمِّينَ بِفِعلِهِنَّ دونَ أنفُسِهِنّ، فبَقِيَ الاسمُ مَفتوحاً على كُلِّ ما يَصدُقُ عَلَيه العَصر.

«مَاءً ثَجَّاجًا»: نَكِرةٌ ومُبالَغةٌ ثانِية

و«ماءً» نَكِرةٌ يُرادُ بِها الجِنسُ كُلُّه. وم-و-ه مُجتَمِعٌ يُضَمُّ ويُمسَكُ ويَجري رَقيقاً خافِتاً، فهو مَحبوسٌ إذا حُبِسَ، سائِلٌ إذا أُطلِق، ولذلك كانَ أليَقَ ما يُخرَجُ بِالعَصر، إذ يَقبَلُ الإمساكَ ولا يَستَقِرُّ عَلَيه.

وث-ج-ج جَريانٌ غَزيرٌ يَتَجَمَّعُ في مَصَبٍّ ثُمَّ يَنبَثِقُ مُتَتابِعاً. و«ثَجّاج» على فَعّال، وهي ثاني فاصِلةٍ على المُبالَغةِ بَعدَ «وَهّاج»، والفاصِلَتانِ مَعاً تَدُلّانِ على مَعنىً واحِد، هو أنَّ ما في الجَوفِ لا يَبقى في الجَوف: فالجَمرُ يُفرِغُ حَرَّه، والمَعصورُ يُفرِغُ ماءَه.


حَصيلة

الفِعلُ تَغَيَّرَ ثالِثَ مَرّةٍ مُنذُ آيةِ «نَومَكُم»، فجاءَ الإيصالُ بَعدَ الوَضعِ والرَّفع. و«أنزَلْنا» على أفعَل، فالماءُ مَحمولٌ في نُزولِه غَيرُ هابِطٍ بِنَفسِه، ون-ز-ل نَفسُه وُصولٌ يَتَعَلَّقُ بِمَوضِعِه. ثُمَّ ذُكِرَ المَصدَرُ بِاسمِ فاعِلٍ دونَ اسمِ ذات: «المُعصِرات»، والعَصرُ إخراجُ المُمسَكِ بِالضَّغط. ثُمَّ ذُكِرَ الخارِجُ نَكِرةً: «ماءً»، وهو في جِذرِه ما يَنحَبِسُ ثُمَّ يَسيل، ووَصفُه «ثَجّاج»، أي صَبٌّ غَزيرٌ يَتَتابَع. فالآيةُ كُلُّها حَرَكةُ باطِنٍ يَخرُج، يُضغَطُ فيَنفَتِح، ويُنزَلُ فيَبلُغ، وهي تَصِفُ العاصِرَ بِعَصرِه ولا تُبَيِّنُ ما هو.