عبس · الآية 18

﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ

«مِنْ أَيِّ شَيْءٍ»: سُؤالٌ عن المادّةِ لا عن الفاعِلِ ولا عن العِلّة

بَعدَ الحُكمِ يَأتي سُؤالٌ مَحدودُ الجِهة، فهو يَسأَلُ عمّا ابتُدِئَ مِنه، دونَ السُّؤالِ عن مَن خَلَق ولِمَ خَلَق. و«مِن» في صَدرِه ابتِدائِيّةٌ تَنظُرُ إلى المادّةِ الأولى.

و«أيّ» تَطلُبُ واحِداً مُعَيَّناً من جُملةٍ حاضِرة، فالسُّؤالُ يَفتَرِضُ أنَّ ثَمَّ أشياءَ كَثيرةً يُمكِنُ أن يُبتَدَأَ مِنها، ثُمَّ يَطلُبُ تَعيينَ الواحِدِ الذي كان. وجَوابُه لا يَطولُ انتِظارُه، فهو نازِلٌ في الآيةِ التي تَليه.

«شَيْءٍ»: أوسَعُ لَفظٍ يُسأَلُ بِه، ونَكِرةٌ تُبقيه واسِعاً

و«شَيْء» أوسَعُ ما يُشارُ بِه إلى المَوجود، ومادَّتُه ش-ي-أ: انتِشارٌ دَقيقٌ يَسري في الجِهاتِ ثُمَّ يُقطَعُ مِنه طَرَفٌ واحِدٌ فيَثبُت، فالشَّيءُ في بِنيَتِه ما تَعَيَّنَ من بَينِ ما لم يَتَعَيَّنْ بَعد.

وجاءَ نَكِرةً مَجروراً بِـ«أيّ»، فالسُّؤالُ يُبقي المَجالَ مَفتوحاً على آخِرِه ثُمَّ يَطلُبُ نُقطةً واحِدةً فيه. وسِعةُ اللَّفظِ هي التي تَجعَلُ الجَوابَ ثَقيلاً حينَ يَجيء، إذ كانَتِ الأشياءُ كُلُّها مُحتَمَلة، فوَقَعَ الاختِيارُ على أقَلِّها.

«خَلَقَهُ»: فِعلٌ فاعِلُه مُستَكِنٌّ ومَفعولُه هو المَحكومُ عَلَيه قَبلَ سَطر

والفاعِلُ في «خَلَقَهُ» مُستَكِنٌّ لم يُصَرَّحْ بِه، والهاءُ تَعودُ على «الْإِنسَانُ» الذي وَقَعَ عَلَيه القَطعُ والتَّعَجُّبُ في الآيةِ السّابِقة، فهو مَفعولٌ ثالِثاً، ولا يَزالُ في مَوضِعِه، يُفعَلُ بِه ولا يَفعَل.

وأصلُ خ-ل-ق نَفاذٌ يَختَرِقُ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِما نَفَذَ فيه فيَحوزُه، ثُمَّ يُختَمُ بِقَطعٍ يُثَبِّتُ الحَدّ، ومِنه «خَلَقَ الأديمَ» إذا قَدَّرَه قَبلَ أن يَقُصَّه. فالتَّقديرُ مَخبوءٌ في الفِعلِ قَبلَ أن يُنَصَّ عَلَيه، والسُّؤالُ عن المادّةِ سُؤالٌ عمّا وَقَعَ عَلَيه هذا التَّقدير.


حَصيلة

سُؤالٌ يَتلو حُكماً، ويَختارُ جِهةً واحِدةً من جِهاتِ السُّؤال. فـ«مِن» ابتِدائِيّةٌ تَنظُرُ إلى المادّة، و«أيّ» تَطلُبُ تَعيينَ واحِدٍ من جُملة، و«شَيْءٍ» (ش-ي-أ) سَريانٌ يُقطَعُ مِنه طَرَفٌ واحِدٌ فيَثبُت، وقد جاءَ نَكِرةً فأبقى المَجالَ على سِعَتِه. ثُمَّ «خَلَقَهُ» (خ-ل-ق)، وهو نَفاذٌ يَحوزُ صورةً ثُمَّ يَقطَعُ حَدَّها، فالتَّقديرُ في الفِعلِ قَبلَ أن يُذكَرَ بَعدَه، وفاعِلُه مُستَكِنٌّ، والهاءُ تَعودُ على الجِنسِ المَحكومِ عَلَيه. فالآيةُ تُوَجِّهُ النَّظَرَ إلى ما ابتُدِئَ مِنه، وتَترُكُ السُّؤالَ عن الصّانِعِ والسَّبَب.