عبس · الآية 17

﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ

«قُتِلَ»: حُكمٌ يَنزِلُ قَبلَ أن يُسَمّى صاحِبُه

تَبدَأُ الآيةُ بِفِعلٍ ماضٍ مَبنيٍّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه. لا نافِذَ لِلحُكمِ في اللَّفظ، ولا وَقتَ يُذكَر. الحَدَثُ وَحدَه في الصَّدر، والمَحكومُ عَلَيه يَأتي بَعدَه.

والجِذرُ ق-ت-ل قَطعٌ يَبلُغُ تَمامَه فيَستَأصِلُ امتِداداً كانَ جارِياً. ليسَ إعداماً لِأصلٍ، بل إنهاءٌ لِخَطٍّ كانَ مَمدوداً. ومنه يُقالُ «قَتَلَ الأمرَ عِلماً» لِمَن بَلَغَ فيه آخِرَ ما يُبلَغُ فلم يَدَعْ فيه بَقِيّة. فالكَلِمةُ الأولى تَقطَعُ الجَرَيان، ثُمَّ تُسَمّي الكَلِمةُ الثّانِيَةُ مَن كانَ يَجري.

«الْإِنسَانُ»: تَعريفٌ يَستَغرِقُ الجِنسَ ولا يُشيرُ إلى واحِد

جاءَ المَحكومُ عَلَيه مُعَرَّفاً بِالألِفِ واللّام. والسورةُ قَبلَ هذا المَوضِعِ كانَت تَصِفُ أفراداً بِأفعالِهِم: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ﴾ ووَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ﴾. فلمّا بَلَغَت هُنا تَرَكَتِ الوَصفَ الفارِزَ وأخَذَتِ الاسمَ الجامِع. تَعريفُ الجِنسِ يَستَوعِبُ الأفرادَ ولا يُعَيِّنُ واحِداً مِنهُم.

والجِذرُ أ-ن-س ظُهورٌ يَنبَعِثُ من باطِنٍ ثُمَّ يَجري مُتَّصِلاً فيَسكُنُ إليه غَيرُه. ومنه «الأُنس» ضِدُّ الوَحشة، و«آنَسَ الشَّيءَ» أبصَرَه فاطمَأنَّ إليه. فالاسمُ الذي يَقولُ الأُلفةَ هو الذي يُحمَلُ عَلَيه أثقَلُ ما في الآية.

«مَا أَكْفَرَهُ»: تَعَجُّبٌ يَجعَلُه مَفعولاً مَرّةً ثانِية

«ما أفعَلَه» بِناءٌ لَه شَكلٌ واحِد: «ما» في صَدرِه، وفِعلٌ على أفعَل، وضَميرٌ مَنصوبٌ في آخِرِه. والمُتَعَجَّبُ مِنه في هذا البِناءِ يَقَعُ عَلَيه الفِعلُ ولا يَصدُرُ عنه. فالإنسانُ في ثَلاثِ كَلِماتٍ مَفعولٌ مَرَّتَين: «قُتِلَ» وَقَعَ بِه، و«أَكْفَرَهُ» وَقَعَ بِه.

والجِذرُ ك-ف-ر كَتمٌ يُمسِكُ ثُمَّ يُفَرِّقُ ما ظَهَرَ فيُبعِدُه، ثُمَّ يَستَرسِلُ فلا يَقِفُ عِندَ مَرّة. ومنه قَولُهُم لِلزّارِعِ إذا وارى البَذرَ في التُّرابِ إنَّه كَفَرَه، وقَولُهُم «كَفَرَ اللَّيلُ النَّهارَ» إذا جَلَّلَه فأخفاه. ولا يُغَطّى إلّا ما ظَهَر، ولا يُوارى إلّا ما عُرِف. فالتَّعَجُّبُ ليسَ من جَهلٍ، بل من سَترٍ بَعدَ مَعرِفة.

وصيغةُ التَّعَجُّبِ تُبقي المِقدارَ مَفتوحاً. لا تَعُدُّ ولا تَحُدُّ، وإنَّما تَقِفُ عِندَ الدَّهشةِ من كَثرةِ ما وُوريَ. ويَعودُ الجِذرُ نَفسُه في خِتامِ السورةِ اسماً لِقَومٍ: أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾. ما فُتِحَ هُنا بِالتَّعَجُّبِ يُغلَقُ هُناكَ بِالوَصف.


حَصيلة

ثَلاثُ كَلِماتٍ فيها حُكمٌ وتَعَجُّبٌ ومَحكومٌ واحِد. «قُتِلَ» مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، وق-ت-ل قَطعٌ يَبلُغُ تَمامَه فيَستَأصِلُ امتِداداً جارِياً: يَنزِلُ الحُكمُ قَبلَ أن يُسَمّى صاحِبُه. ثُمَّ «الْإِنسَانُ» مُعَرَّفاً بِالجِنسِ بَعدَما كانَتِ السورةُ تَفرِزُ الأفرادَ بِأفعالِهِم، وأ-ن-س ظُهورٌ يَجري فيُؤنَسُ بِه. ثُمَّ «مَا أَكْفَرَهُ» على بِناءِ التَّعَجُّب، فيَقَعُ عَلَيه الفِعلُ ثانِيَةً، وك-ف-ر تَغطِيةٌ مُستَرسِلةٌ لِما ظَهَرَ ولا تُوارى إلّا مَعرِفة. آيةٌ تَضَعُ الجِنسَ كُلَّه بَينَ فِعلٍ لا فاعِلَ لَه وتَعَجُّبٍ لا عَدَدَ فيه.