عبس · الآية 19

﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ

«مِن نُّطْفَةٍ»: الجَوابُ يُعادُ بِحَرفِ السُّؤالِ نَفسِه

سُئِلَ بِـ«مِنْ» فأُجيبَ بِـ«مِن»، وأُعيدَ الحَرفُ نَفسُه في صَدرِ الجَواب، فوَقَعَ الجَوابُ في المَوضِعِ الذي فُتِحَ لَه تَماماً، بِلا زِيادةٍ ولا انحِراف، ومَوضِعُ السُّؤالِ يُملَأُ بِكَلِمةٍ واحِدة.

وجاءَتِ الكَلِمةُ نَكِرةً لم تُوصَفْ ولم تُضَفْ ولم تُعَرَّف. وكانَ السُّؤالُ قد فَتَحَ أوسَعَ لَفظٍ في اللُّغةِ حينَ قالَ «شَيْءٍ»، فجاءَ الجَوابُ بِأضيَقِ ما يُبتَدَأُ مِنه، فالسِّعةُ في السُّؤالِ والقَطرةُ في الجَواب.

«نُّطْفَةٍ»: قَليلٌ يَتَقاطَرُ من مَنفَذٍ ضَيِّق

والنُّطفةُ من ن-ط-ف، وهو انبِعاثٌ من باطِنٍ يَخرُجُ مَضغوطاً ثُمَّ يَنفُذُ من شَقٍّ ضَيِّقٍ قَليلاً قَليلاً، ومِنه «نَطَفَ الماءُ» إذا سالَ رَشحاً، ومِنه يُقالُ لِلُّؤلُؤةِ الصّافِيةِ نَطِفة كَأنَّها قَطرةٌ جُمِّدَت. فالنُّطفةُ في بِنيَةِ حُروفِها مِقدارٌ يَتَرَقرَقُ ويُعَدُّ بِالقَطرة، لا وِعاءٌ ولا كُتلة.

واقتَصَرَتِ الآيةُ في هذه الكَلِمةِ على هذا القَدر، فلا وَصفَ ولا طَورَ ولا مَراحِل، وهي تَضَعُ أقَلَّ ما يُبتَدَأُ مِنه في مُقابَلةِ الجِنسِ كُلِّه، ثُمَّ تَمضي، وأثقَلُ ما في الجَوابِ خِفَّتُه.

«خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ»: فِعلانِ بِفاءٍ لا مُهلةَ فيها

والفِعلُ الأوَّلُ هو الفِعلُ الذي سُئِلَ عَنه، أُعيدَ بِلَفظِه دونَ مُرادِفِه. وخ-ل-ق نَفاذٌ يَحوزُ صورةً ثُمَّ يَقطَعُ حَدَّها، فالتَّقديرُ مَخبوءٌ في الفِعلِ قَبلَ أن يُنطَقَ بِه.

ثُمَّ جاءَتِ الفاءُ فلم تُمهِل، وخَرَجَ المَخبوءُ إلى اللَّفظ: «فَقَدَّرَهُ». وأصلُ ق-د-ر قَطعٌ يَثبُتُ حَيثُ وَقَعَ ثُمَّ يَجري مُمتَدّاً، ومِنه «قَدَرَ الثَّوبَ» إذا قاسَه فأعطاه حَدَّه، و«المِقدارُ» وهو الحَدُّ الذي لا يُتَجاوَز.

و«قَدَّرَ» على وَزنِ فَعَّل، أي حَدٌّ بَعدَ حَدٍّ لا حَدٌّ واحِد، فالقَطرةُ أُخِذَت في تَحديدٍ يَتَكَرَّرُ حتّى صارَت مَقاديرَ يُعرَفُ كُلٌّ مِنها بِحَدِّه، ولم تُترَكْ لِتَنتَشِرَ كَيفَ شاءَت، وما دَخَلَ قَطرةً خَرَجَ مَحدوداً.


حَصيلة

يُعادُ حَرفُ السُّؤالِ في صَدرِ الجَواب، فيَقَعُ «مِن نُّطْفَةٍ» في المَوضِعِ الذي فَتَحَه «مِنْ أَيِّ شَيْءٍ»، وقد فُتِحَ أوسَعُ لَفظٍ ثُمَّ أُجيبَ بِأضيَقِ مِقدار. والنُّطفةُ (ن-ط-ف) انبِعاثٌ يَنفُذُ من شَقٍّ ضَيِّقٍ فيَتَقاطَر، فهي مِقدارٌ يُعَدُّ بِالقَطرةِ لا كُتلةٌ تُوزَن، وجاءَت نَكِرةً بِلا وَصفٍ ولا طَور. ثُمَّ «خَلَقَهُ» (خ-ل-ق) بِمَعنى نَفاذٍ يَحوزُ صورةً ويَقطَعُ حَدَّها، والتَّقديرُ فيه قَبلَ أن يُذكَر. ثُمَّ تَجيءُ الفاءُ بِلا مُهلةٍ فيَخرُجُ المَخبوء: «فَقَدَّرَهُ» (ق-د-ر)، وهو حَسمٌ يَثبُتُ ثُمَّ يَجري، وقد جاءَ على وَزنِ فَعَّل فهو حَدٌّ بَعدَ حَدّ. فالآيةُ تَبتَدِئُ من قَطرةٍ لا تُوصَف، وتَنتَهي إلى مَقاديرَ لا تُتَجاوَز.