عبس · الآية 5

﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ

«أَمَّا مَنِ»: أداةٌ تَفتَحُ قِسمَينِ ولا تُتِمُّ واحِداً

«أَمَّا» لا تَجيءُ وَحدَها، فهي تَفتَحُ قِسماً وتَعِدُ بِقِسمٍ يُقابِلُه، ولا تَستَريحُ حتّى يَجيءَ الثّاني، وقد جاءَ بَعدَ ثَلاثِ آيات: وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ﴾. فالآيةُ مُعَلَّقةٌ من حينِ نُطِقَ بِها.

و«مَن» مَوصولةٌ لا تُسَمّي، وصِلَتُها فِعلٌ يُعَرِّفُ صاحِبَه بِما صَنَع، فالأقسامُ هُنا أحوالٌ لا أشخاص، وكُلُّ مَن دَخَلَ في الوَصفِ دَخَلَ في الحُكم.

«اسْتَغْنَىٰ»: طَلَبُ الغِنى لا الغِنى

وعُدِلَ عن «غَنِيَ» إلى «اسْتَغْنَىٰ»، والفَرقُ بَينَ البِناءَينِ هو مَحَلُّ النَّظَرِ في الآية، فـ«غَنِيَ» خَبَرٌ عن حال، و«اسْتَغْنَىٰ» على وَزنِ استَفعَلَ، ومَعناه طَلَبُ الفِعلِ من النَّفسِ أوِ ادِّعاؤُه أوِ الصَّيرورةُ إلَيه، فالحالُ فيه مَطلوبةٌ مُتَكَلَّفة، وليسَت مَوصوفة.

وأصلُ غ-ن-ي مِلءٌ يَستُرُ الخَلّةَ ويَمتَدّ، ومِنه «الغَنِيُّ» لِمَن سُدَّت حاجَتُه فلا يَطلُبُ عِندَ غَيرِه. فالمُستَغني قد سَتَرَ حاجَتَه عن نَفسِه قَبلَ أن يَستُرَها عنِ النّاس، والسِّترُ في الجِذرِ يُغَطّي ما تَحتَه ولا يَرفَعُه.

والمَفعولُ مَحذوف، فلم تَذكُرِ الآيةُ عَمَّنِ استَغنى، وبَقِيَ البابُ بِذلك مَفتوحاً على كُلِّ ما يُستَغنى عَنه، وأوَّلُ ما يَسقُطُ من حِسابِ المُستَغني حاجَتُه إلى أن يَسمَع.


حَصيلة

«أَمَّا» تَفتَحُ قِسماً وتَبقى مُعَلَّقةً حتّى يَجيءَ قَسيمُه بَعدَ ثَلاثِ آيات، فالآيةُ ناقِصةٌ بِبِنائِها لا بِمَعناها وَحدَه. و«مَن» مَوصولةٌ تُعَرِّفُ ولا تُسَمّي، فالقِسمةُ في الأحوالِ لا في الأشخاص. و«اسْتَغْنَىٰ» جاءَ على استَفعَلَ دونَ فَعِلَ، فهو طَلَبُ الغِنى أوِ ادِّعاؤُه أوِ الصَّيرورةُ إلَيه، ولم يُرَدْ بِه الإخبارُ عن غِنىً واقِع. والجِذرُ غ-ن-ي مِلءٌ يَستُرُ الخَلّةَ ويَمتَدّ، والسِّترُ يُغَطّي الحاجةَ ولا يَرفَعُها. والمَفعولُ مَحذوف، فلم يُقَيَّدْ ما استُغنِيَ عَنه، ومَن سَتَرَ حاجَتَه عن نَفسِه لم يَبقَ لَه ما يَجيءُ من أجلِه.